قال الشافعي رحمه الله فقمت غير ممتنع إلى ما دعا من كرمه فلما أتيت الدار أدخلني الغلام إلى خلوة في الدار وقال لي القبلة في البيت هكذا وهذا إناء فيه ماء وهذا بيت الخلاء. قال الشافعي رضي الله عنه فما لبث مالك رضي الله عنه حتى أقبل هو والغلام حاملاً طبقا فوضعه من يده وسلم الإمام عليَّ ثم قال للعبد اغسل علينا ثم وثب الغلام إلى الاناء وأراد أن يغسل عليَّ أولاً فصاح عليه مالك قال الغسل في أول الطعام لرب البيت وفي آخر الطعام للضيف.
قال الشافعي رضي الله عنه فاستحسنت ذلك من الإمام مالك رضي الله عنه وسألته عن شرحه فقال أنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يبتدىء بالغسل وفي آخر الطعام ينتظر من يدخل فيأكل معه.
قال الشافعي رضي الله عنه فكشف الإمام رضي الله عنه الطبق فكان فيه صفحتان في إحداهما لبن والأخرى تمر فسمى الله تعالى وسميت فأتيت أنا ومالك على جميع الطعام وعلم مالك أنا لم نأخذ من الطعام الكفاية فقال لي يا أبا عبد الله هذا جهد من مقل إلى فقير معدم فقلت لا عذر على من أحسن إنما العذر على من أساء.
قال الشافعي رضي الله عنه فأقبل مالك يسألني عن أهل مكة حتى دنت العشاء الآخرة ثم قام عني وقال حكم المسافر أن يقل تعبه بالاضطجاع فنمت ليلتي فلما كان في الثلث الأخير من الليل قرع عليَّ مالك الباب فقال لي الصلاة يرحمك الله فرأيته حاملاً إناء فيه ماء فتبشع عليَّ ذلك فقال لي لا يرعك ما رأيته فخدمة الضيف فرض.
قال الشافعي رضي الله عنه فتجهزت للصلاة وصليت الفجر مع الإمام مالك في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس لا يعرف بعضهم بعضا من شدة الغلس وجلس كل واحد منا في مصلاه يسبح الله تعالى إلى أن طلعت الشمس على رؤوس الجبال فجلس مالك في مجلسه بالأمس وناولني الموطأ أمليه وأقرؤه على الناس وهم يكتبونه.
قال الشافعي رضي الله عنه فأتيت على حفظه من أوله إلى آخره وأقمت ضيف مالك ثمانية أشهر فما علم أحد من الأنس الذي كان بيننا أينا الضيف ثم قدم على مالك المصريون بعد قضاء حجهم للزيارة واستماع الموطأ. قال الشافعي فأمليت عليهم حفظاً منهم عبد الله بن عبد الحكم وأشهب وأبن القاسم قال الربيع وأحسب أنه ذكر الليث بن سعد ثم قدم بعد ذلك أهل العراق لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي رضي الله عنه فرأيت بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه نظيف الثوب حسن الصلاة فتوسمت فيه خيراً فسألته عن اسمه فأخبرني وسألته عن بلده فقال العراق فقلت أي العراق فقال لي الكوفة فقلت من العالم بها والمتكلم في نص الكتاب والمفتي بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة رضي الله عنه.
وقال الشافعي رضي الله عنه فقلت ومتى عزمتم تظعنون فقال لي في غداة غد وقت الفجر فعدت إلى مالك فقلت له خرجت من مكة في طلب العلم بغير استئذان العجوز أفأعود إليها أو أرحل في طلب العلم فقال لي: العلم فائدة يرجع منها إلى فائدة ألم تعلم أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يطلبه.