ومن ذلك ما حكي عن بعض المطربين أنه غنى في جماعة عند بعض الأمراء:
إذا أنت أعطيت السعادة لم تُبَل ... ولو نظرت شزراً إليك القبائل
وإن فوق الأعداء نحوك أسهماً ... ثنتها على أعقابهن المناصل
فطرب الأمير إلى الغاية ولما زاد طربه قال لبعض مماليكه هات خلعة لهذا المغني ولم يفهم المغني ما يقوله الأمير فقام لقلة حظه إلى بين الخلاء وفي غيبته جاء المملوك بالخلعة فوجد المغني غائباً وقد حصل في المجلس عربدة وأمر الأمير بإخراج الجميع فقيل للمغني بعدما خرج: إن الأمير كان قد أمر لك بخلعة فلما كان بعد أيام حضر المغني عند ذلك الأمير وغنى فقال:
إذا أنت أعطيت السعادة لم تَبُلْ ... ولو نظرت شزراً إليك القبائل
بفتح التاء وضم الباء، فأنكروا عليه فقال نعم لأني لما بلت في ذلك اليوم فاتتني السعادة من الأمير فأوضحوا له القصة فضحك وأعجبه ذلك وأمر له بخلعة.
ومن المنقول أن عبد الله بن المعتز من خلفاء بني العباس مع كماله وغزارة فضله كان لم يزل منغصا في مدة حياته بويع له بالخلافة وظن أن الحظ قد تنبه له فلم يتم الأمر له إلا يوما واحداً ثم قبض عليه وقتل رحمه الله تعالى على أنه ما وافق على ولاية الآمر حتى اشترط عليهم أن لا يسفكوا في واقعته دما ومحله من الأدب لا يخفى وشمعة فضله كالصبح لا تقط ولا تطفى وقد قيل:
لله درك من ملكٍ بمضيعةٍ ... ناهيك في العلم والعلياء والحسب
ما فيه لو ولا ليتٌ تنقصُهُ ... وإنما أدركتهُ حرفةُ الأدب
وقال ابن الساعاتي:
عفتُ القريضَ فلا أسمو له أبداً ... حتى لقد عفتُ أن أرويه في الكتب
هجرت نظمي له لا من مهانته ... لكنها خفيةٌ من حرفة الأدب
قلت وما برح الزمان مولعا بخمول أهل الأدب وخمود نارهم. كان الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين يوسف من كبار أهل الأدب، وكان حسن السيرة متدينا قل أن عاقب على ذنب وله المناقب الجميلة وكان أكبر إخواته، ومع كمال صفاته وآدابه التي سارت بها الركبان ما صفاه له الدهر ولا هناه بالملك بعد أبيه السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، لبث مدة يسيرة بدمشق المحروسة ثم حضر إليه عمه أبو بكر العادل وأخوه الملك العزيز عثمان، فأخرجهما من ملكه بدمشق إلى صرخد ثم جهزاه إلى سميساط وفي ذلك كتب إلى الإمام الناصر ببغداد:
مولاي إنَّ أبا بكرٍ وصاحبهُ ... عثمان قد منعا بالسيف حق علي
فأنظر إلى حظ هذا الإسم كيف لقي ... من الأواخر ما لاقى من الأول
فكتب الناصر الجواب: ولكن الفرق مثل الصبح
وافي كتابُك يا ابن يوسف معلناً ... بالصدق يخبر أن أصلك طاهر
غصبوا علياًّ حقّه إذ لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ثائر
فاصبر فإن غداً عليه حسابهمْ ... وابشر فناصرك الإمام الناصر
ولم ينصره الإمام الناصر بل توفي فجأة بسميساط، رحمه الله تعالى، ومن شعره ما ذكره ابن واصل في مفرج الكروب:
يا من يسود شعرهُ بخضابه ... فعساه من أهل الشبيبة يحصل
ها فاختضب بسواد حظي مرةً ... ولك الأمانُ بأنه لا ينصل
قلت ومثله الملك الناصر داود ابن الملك المعظم وكان داود صاحب الكرك ما برح مع كمال فضله منكداً مشتتا في البلاد توجه إلى بغداد ومعه فخر القضاة ابن بصاقة والشيخ شمس الدين الخرشاهي وقد استصحب جواهر نفيسة والتجأ إلى الإمام الناصر وطلب الحضور بين يديه ليشاهده في الملا فما قدر له ذلك ولا وافق الخليفة عليه حتى امتدحه بقصيدته البائية التي مطلعها:
ورانٍ ألمت بالكثيب ذوائبه ... وجنح الدجى وحفٌ تجول غياهبه
تقهقه في تلك الربوع رعودُهُ ... وتبكي على تلك الطلول سحائبه
وقال منها في حكاية حاله مع الخليفة:
أيحسن في شرع المعالي ودينها ... وأنت الذي تُعزي إليه مذاهبُه
بأني أخوض الدو والدو مقفرٌ ... سباريته مقفرةٌ وسباسبه
ويأتيك غيري من بلادٍ قريبةٍ ... له الأمن فيها صاحبٌ لا يجانبه