وقال معاوية لعقيل إن علياً قطعك ووصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر قال افعل فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن علياً فالعنوه عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ثم نزل فقال له معاوية يا عقيل إنك لم تبين من المراد منا قال والله لا زدت حرفا والكلام راجع إلى نية المتكلم.
ومن غريب المنقول ما نقل عن المنصور وهو أنه وعد الهذلي بجائزة ونسي فحجا معا ومرا في المدينة النبوية ببيت عاتكة فقال الهذلي يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:
يا دار عاتكة التي أتغزل
فأنكر عليه أمير المؤمنين المنصور ذلك لأنه تكلم من غير أن يسئل فلما رجع الخليفة نظر في القصيدة إلى آخرها ليعلم ما أراد الهذلي بإنشاد ذلك البيت من غير استدعاء فإذا فيها:
واراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فعلم المنصور أنه أشار إلى هذا البيت فتذكر ما وعده به وأنجزه له واعتذر إليه من النسيان.
ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب لأبي الطيب المتنبي فحضر يوما مجلس المرتضى فجرى ذكر أبي الطيب فهضم من جانبه المرتضى فقال أبو العلاء لو لم يكن لأبي الطيب من الشعر إلا قوله: لك يا منازلُ في القلوب منازل لكفاه. فغضب المرتضى وأمر به فسحب وأخرج وبعد اخراجه قال المرتضى هل تعلمون ما أراد بذكر البيت قالوا لا قال عنى به قول أبي الطيب في القصيدة:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ومثله قصة السري الرفاء مع سيف الدولة بسبب المتنبي أيضا فان السري الرفاء كان من مداح سيف الدولة وجرى في مجلسه يوما ذكر أبي الطيب فبالغ سيف الدولة في الثناء عليه فقال له السري أشتهي أن الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لأعارضها ويتحقق الأمير بذلك أنه أركب المتنبي في غير سرجه فقال له سيف الدولة على الفور عارض لنا قصيدته التي مطلعها:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق مني وما بقي
قال السري فكتبت القصيدة واعتبرتها في تلك الليلة فلم أجدها من مختارات أبي الطيب لكن رايته يقول في آخرها عن ممدوحه:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ ... أراه غباري ثم قال له الحق
فقلت والله ما أشار سيف الدولة إلا إلى هذا البيت.
عيون المها
ومثله ما حكاه ابن الجوزي في كتاب الأذكياء وهو من الغرائب في هذا الباب أن رجلا من طلبة العلم قعد على جسر بغداد يتنزه فأقبلت امرأة بارعة في الجمال من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها رحم الله علي بن الجهم فقالت المرأة رحم الله أبا العلاء المعري وما وقفا بل سار مشرقا ومغربا قال الرجل فتبعت المرأة وقلت والله إن لم تقولي لي ما أراد بابن الجهم فضحكت، قالت: أراد به قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وعنيت أنا بأبي العلاء قوله:
فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال
ومثله ما هو منقول على الإمام الحافظ فتح الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري أن الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله دخل إلى الجامع الأزهر فوجد أبا الحسين الجزار جالسا وإلى جانبه مليح ففرق بينهما وصلى ركعتين ولما فرغ قال لأبي الحسين ما أردت إلا قول ابن سناء الملك فقال أبو الحسين الجزار وأنا تفاءلت بقول صاحبنا السراج الوراق أما مراد الشيخ بها الدين فهو إشارة إلى قول ابن سناء الملك:
أنا في مقعد صدقٍ ... بين قوّادٍ وعلق
وأما مراد أبي الحسين الجزار من قول سراج الوراق فهو:
ومهفهفٍ راضَ الأبيّ ... فقادَهُ سلِسَ القياد
فلما توسّط بيننا ... جرت الأمور على السداد
فبلغ كل منهما ما أراد من صاحبه ولم يشعر أحد بمراد الاثنين غيرهما. قلت وبالنسبة إلى هذا الذكاء المفرط الصادر من هؤلاء القوم يتعين أن نورد هنا نبذة من كتاب الأذكياء لابن الجوزي.
ذكاء المنصور