وذكر صاحب العقد أن عبد الله بن الزبير تزوج امرأة من فزارة يقال لها أم عمرو فلما دخل بها قال هل تدرين من معك قالت نعم عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد قال ليس هذا قالت فأي شيء تريد قال: معك من أصبح في قريش كمنزلة الرأس من الجسد لا بل العينين من الرأس قالت أما والله لو أن بعض الهاشميين حضرك قال خلافا لقولك قال فالطعام والشراب علي حرام حتى أحضر الهاشميين وغيرهم ولا يستطيعون لذلك إنكارا قالت إن أطعتني لم تفعل فأنت أعلم بشأنك فخرج من المجلس فإذا بحلقة فيها جماعة من قريش وفيها من بني هاشم عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعبد الله بن الحرث بن عبد المطلب فقال لهم ابن الزبير إني أحب أن تنطلقوا معي إلى منزلي فقام القوم بأجمعهم حتى وقفوا على باب بيته فقال ابن الزبير يا هذه اطرحي عليك سترك ثم أذن للقوم فلما أخذوا مجالسهم دعا ابن الزبير بالمائدة فتغدى القوم فلما فرغوا قال ابن الزبير إنما جمعتكم لحديث ردته علي صاحبة هذا الستر وزعمت أن لو كان بعض بني هاشم حاضرا ما اقر لي بما قلت وقد حضرتم جميعا والحديث الذي ردته علي قلت لها ليلة الدخول بها وأنا معها في خدرها إن معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد لا بل العينين من الرأس فردت على مقالي فقال ابن عباس إن شئت أقول وإن شئت أكفف قال لا بل قل وما عسيت أن تقول ألست تعلم أن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّ أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين وأن خديجة سيدة نساء أهل الجنة عمتي وأن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جدتي وأن عائشة أم المؤمنين خالتي فهل تستطيع لهذا إنكارا يا ابن عباس قال ابن عباس لا ولكن ذكرت شرفا شريفا وفخرا عظيما غير أنك نلت ذلك كله وأنت تفاخر من بفخره فخرت وتسامي من بفضله سموت قال ابن الزبير وكيف ذلك قال لم تذكر مفخراً إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أهل بيته وأقرب إليه وأولى بالفخر به قال ابن الزبير فأنا أفاخرك بما كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس لقد انصفت أسائلكم أيها الحضور أعبد المطلب كان أشرب في قريش أم خويلد قالوا عبد المطلب قال أسائلكم أهاشم كان أشرف في قريش أم أمية قالوا بل هاشم قال فأسألكم بالله أعبد مناف كان أشرف أم عبد العزى قالوا اللهم عبد مناف فأنشد ابن عباس يقول:
تفاخرني يا ابن الزبير وقد مضى ... عليك رسول الله لا قولَ هازلِ
فلو غيرنا يا ابن الزبير فخرته ... ولكن بنا ساميت شمس الأصائل
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما افترقت فرقتان إلا وكنت في خيرهما فقد فارقك من لدن قصي بن كلاب فنحن في فرقة الخير أولا ونحن في فرقة الخير آخرا فإن قلت نعم خصمت وإن قلت لا كفرت قال فضحك بعض القوم وقالت المرأة من خلف الستر أما والله لقد نهيته عن هذا المجلس فأبى إلا ما ترى فقال ابن عباس مه أيتها المرأة أقنعي ببعلك وأخذ القوم بيد ابن عباس فقالوا إنهض أيها الرجل فقد أفحمته في منزله غير مرة فنهض ابن عباس وهو يقول:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلاً لناما
وحكى صاحب العقد قال بينما معاوية جالس وعنده وجوه الناس إذا دخل رجل من أهل الشام فقام خطيبا وقال لعن الله عليا فأطرق الناس وفيهم الأحنف فقال الأحنف يا أمير المؤمنين القائل إن علم أن رضاك في لعن المرسلين لعنهم فاتق الله ودع عنك عليا فقد لقي ربه وأفرد بقبره وخلال بعمله وكان والله مبرورا في سبقه طاهر الثوب ميمون النقيبة عظيم المصيبة فقال له معاوية يا أحنف لقد أغضيت العين على القذى أما والله لتصعدن المنبر وتلعن عليا طوعا أو كرها فقال أن تعفني خير لك وإن تجبرني على ذلك فوالله لا تجدني شقيا به أبداً قال وما أنت قائل يا أحنف قال أحمد الله وأصلي على نبيه ثم أقول إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن عليا ومعاوية وعلى ما أقتتلا واختلفا وادعى كل واحد منهما أنه مبغيٌّ عليه فإذا دعوت فآمنوا رحمكم الله اللهم ألعن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه والعن الفئة الباغية آمنوا رحمكم الله يا معاوية لا أزيد على ذلك ولا أنقص ولو كان فيه ذهاب نفسي فقال معاوية إذاً أعفيتك انتهى.