قيل أن أروى بنت الحرث بن عبد المطلب كانت أغلظ الوافدات على معاوية خطاباً وكان حلم معاوية أعظم من خطابها دخلت عليه وهي عجوز كبيرة فلما رآها معاوية قال مرحبا بك يا خالة كيف كنت بعدنا قالت بخير يا أمير المؤمنين لقد كفرت النعمة وأسأت بابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولا سابقة في الإسلام بعد أن كفرتم برسول الله فأتعس الله منكم الجدود وأمرغ منكم الخدود ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور فوليتم علينا بعد فأصبحتم تجمحون على سائر العرب بقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا منكم فكنا فيكم بمنزلة بين إسرائيل في آل فرعون وكان علي رضي الله عنه عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بمنزلة هرون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار فقال لها عمرو ابن العاص: كفي أيتها العجوز الضالة واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدك فقالت له أنت يا ابن الباغية تتكلم وأمك كانت أشهر بغيٍ بمكة وأرخصهن أجرة وادعاك خمسة نفر كلهم يزعم أنك ابنه فسئلت أمك عن ذلك فقال كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به، فقال مروان كفى أيتها العجوز واقصدي ما جئت له فقالت: وأنت أيضا يا ابن الزرقاء تتكلم ثم التفتت إلى معاوية فقالت والله ما أجرأ هؤلاء غيرك وأمك القائلة في قتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم:
نحن أخزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعدا لحرب ذاتُ عسر
ما كان لي عن عتبة من صبر ... ولا أخي وعمه وبكر
سكنت وحشياً غليل صدري ... فشكرُ وحشيٍّ على دهري
حتى تُرمّ أعظمي في قبري
فأجابتها ابنة عمي بقولها:
خزيت في بدرٍ وغير بدر ... يا بنت جبارِ عظيم الكفر
فقال معاوية عفا الله عما سلف يا خالة هات حاجتك فقالت مالي إليك حاجة وخرجت عنه وهذه العبارة بنصها منقولة من العقد لابن عبد ربه رحمه الله تعالى.
وحكى صاحب العقد أيضا قال قدم عقيل بن أبي طالب على معاوية فأكرمه وقربه وقضى عنه دينه ثم قال له في بعض الأيام يا عقيل أنا خير لك من أخيك علي قال صدقت أخي آثر دينه على دنياه وأنت آثرت دنياك على دينك فأنت خير لي من أخي وأخي خير لنفسه منك لنفسك.
ودخل عقيل أيضا على معاوية وقد كفّ بصره فأقعده على سرير معه ثم قال له أنتم معاشر بني هاشم تصابون في أبصاركم فقال عقيل وأنتم معاشر بني أمية تصابون في بصائركم.
ودخل عليه يما فقال معاوية لأصحابه هذا عقيل عمّه أبو لهب فقال عقيل وهذا معاوية عمَّته حمالة الحطب ثم قال: يا معاوية إذا دخلت النار فأعدل ذات اليسار فإنك ستجد عمي أبو لهب مفترشاً عمّتك حمالة الحطب فأنظر أيهما الفاعل أم المفعول به.
وقال له يوما ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم قال لكنه في نسائكم أبين يا بني أمية. وقال الجاحظ اجتماعت يوما بنو هاشم عند معاوية فأقبل عليهم فقال: يا بني هاشم والله إن خيري لكم لممنوح وإن بابي لكم لمفتوح وقد نظرت في أمري وأمركم فرأيت أمرا مختلفا إنكم ترون أنكم أحق مني بما في يدي فإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم أعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم فأقبل عليه ابن عباس رضي الله عنهما وكان جريئا عليه فقال والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه وأما هذا المال فما لك منه إلا ما لرجل واحد من المسلمين ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا أثر تحمله خف ولا حافر وأما حربنا إياك بصفين فعلى تركك الحق وادعائك الباطل أكفاك أم أزيدك قال كفاني.
وقال الشعبي قال ابن الزبير يوما لابن عباس قاتلت أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما أم المؤمنين فأنت أخرجتها أنت وأبوك وخالك وبنا سميّت أم المؤمنين فأنت أخرجتها أنت وأبوك وخالك وبنا سميّت أم المؤمنين وكنا لها خير بنين وقاتلت أنت وأبوك عليّاً فإن كان مؤمنا ضللتم بقتال المؤمنين وإن كان علي كافرا فقد بؤتم بسخط من الله بفراركم من الزحف.