فمن ذلك ما روي عن منصور بن العباس وهو أنه جلس يوما في إحدى قباب المدينة فرأى رجلا ملهوفا يجول في الطرقات فأرسل إليه من أتاه به فسأله عن حاله فأخبره أنه خرج في تجارة فأفاد فيها مالا كثيراً وأنه رجع بها إلى زوجته ودفع المال إليها فذكرت المرأة أن المال سرق من المنزل ولم ير نقبا ولا مسلقا فقال له المنصور منذ كم تزوجتها قال منذ سنة قال تزوجتها بكرا أم ثيبا قال ثيبا قال شابة أم مسة قال شابة فدعا له المنصور بقارورة طيب وقال تطيب بهذا فإنه يذهب همك فأخذها وانقلب إلى أهله فقال المنصور لجماعة من نقبائه اقعدوا على أبواب المدينة فمن مر بكم وشممتم فيه روائح الطيب فأتوني به ومضى الرجل بالطيب إلى بيته فدفعه إلى المرأة وقال هذا من طيب أمير المؤمنين فلما شمته أعجبها إلى الغاية فبعثت به إلى رجل كانت تحبه وهو الذي دفعت المال إليه فقالت له تطيب بهذا الطيب فتطيب به ومر مجتازا ببعض الأبواب ففاحت منه روائح الطيب فأخذ وأتى به إلى المنصور فقال له من أين استفدت هذا الطيب فتلجلج في كلامه فسلمه إلى صاحب شرطته وقال له: إن أحضر كذا وكذا من الدنانير فخذ منه وإلا فاضربه ألف سوط فما هو إلا أن جرد وهدد حتى أذعن برد الدنانير وأحضرها كهيئتها ثم أعلم المنصور بذلك فدعا صاحب الدنانير وقال له أرأيتك أن رددت إليك الدنانير أتحكمني في امرأتك قال نعم يا أمير المؤمنين قال ها هي دنانيرك وقد طلقت امرأتك وقص عليه الخبر.
المهدي والقاضي شريك
ومن ذلك ما روي عن المهدي وهو أن شريك بن عبد الله القاضي دخل عليه يوما فأراد المهدي أن يبخره فقال للخادم أحضر للقاضي عودا فذهب الخادم فجاء بالعود الذي يلهى به فوضعه في حجر شريك فاضطرب شريك من ذلك وقال ما هذا يا أمير المؤمنين قال عود أخذه صاحب العسس البارحة فأحببنا أن يكون كسره على يد القاضي فقال شريك جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين ثم أفاضوا في الحديث حتى نسي الأمر فقال المهدي لشريك ما تقول في رجل أمر وكيلا له أن يأتي بشيء بعينه فجاء بغيره فتلف ذلك الشيء فقال للخادم اضمن ما أتلفت.
التاجر الذي أنكر العقد
ومن ذلك أنه حكي أنه قدم رجل إلى بغداد ومعه عقد يساوي ألف دينار فأراد بيعه فلم يتفق فجاء إلى عطار موصوف بالخير والديانة فأودع العقد عنده وحج وأتى بهدية للعطار وسلم عليه فقال من أنت ومن يعرفك فقال أنا صاحب العقد فلما كلمه رفسه وألقاه عن دكانه فاجتمع الناس وقالوا ويلك هذا رجل صالح فما وجدت من تكذب عليه إلا هذا فتحير الحاج وتردد إليه فما زاده إلا شتما وضربا فقيل له لو ذهبت إلى عضد الدولة لحصل لك من فراسته خير فكتب قصته وجعلها على قصبة وعرضها عليه فقال ما شأنك فقص عليه القصة فقال اذهب غدا واجلس في دكان العطار ثلاثة أيام حتى أمر عليك في اليوم الرابع فأوقف وأسلم عليك فلا ترد علي إلا السلام فإذا انصرفت أعد عليه ذكر العقد ثم أعلمني بما يقول لك ففعل الحاج ذلك فلما كان في اليوم الرابع جاء عضد الدولة في موكبه العظيم فلما رأى الحاج وقف وقال السلام عليكم فقال الحاج وعليكم السلام ولم يتحرك فقال يا أخي تقدم من العراق ولا تأتينا ولا تعرض علينا حوائجك فقال له: اتفق هذا ولم يزده على ذلك شيئا هذا والعسكر واقف بكماله فانذهل العطار وأيقن بالموت فلما أنصرف عضد الدولة التفت العطار إلى الحاج وقال له: يا أخي متى أودعتني هذا العقد وفي أي شيء هو ملفوف فذكرني لعلي أتذكر فقال من صفته كذا وكذا فقام وفتش ثم فتح جرابا وأخرج منه العقد وقال: الله أعلم أنني كنت ناسيا ولو لم تذكرني ما تذكرت فأخذ الحاج العقد ومضى إلى عضد الدولة فأعلمه فعلقه في عنق العطار وصلبه على باب دكانه ونودي عليه هذا جزاء من استودع ثم جحد ثم أخذ الحاج العقد ومضى إلى بلاده.
ذكاء إياس