ومن غريب المنقول أنني حضرت في بعض الليالي على جانب النيل المبارك في خدمة مولانا المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب دواوين الانشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة كان تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان وبيده الكريمة جزء من تذكرة الشيخ صلاح الدين الصفدي بخطه وهذه الرسالة أول الجزء فشرع في قراءتها وكررها مرارا وهو يترنم في بديعها وغريبها ورسم في أثناء ذلك بمعارضتها فلم أجد بدا من الشروع لالتزام الواجب واوترت قوس العزم مطمئنا بهذا الرأي الصائب وقد أوصلت هنا شمل القطعتين ليتأمل المتأمل في جنى الجنتين وينزه نظره في حدائق الروضتين ويطرب لسجع حمائم الدوحتين. قلت شرح فما سرح العيون إلا دون رسالته المقبولة، وطلب السبق فلم يرض مفرق البرق سرجا ولا استطلى صفحته المصقولة، وهمز جواد التسليم فقصر وأمست أذياله بعرق السحب مبلولة، وارسل فأقره الناس برسالته وكتابه الصدق، وانقطع كوكب الصبح خلفه فقال عند التقصير كنت نجابا، وعلى يدي مخلق يؤدي ما جاء على يده من الترسل فيهيج الأشواق، وما برحت الحمائم تحسن الأداء في الأوراق، وصحبناه على الهدى فقال ما ضل صاحبكم وما غوى، ومن روى عنه حديث الفضل المسند فعن عكرمة قد روي، يطير مع الهواء لفرط صلاحه ولم يبق على السر المصون جماح، إذا دخل تحت جناحه إن برز من مقصفه، لم يبق للبرد قيمة بل تنعزل بتدبيج أوراقه، وتعلق عليه من العين التميمة ما سجن إلا صبر على السجن وضيق الأطواق، ولهذا حمدت عواقبه على الإطلاق، ولا غنى على عود إلا أسال دموع الندى من حدائق الرياض، ولا أطلق من كبد الجو إلا كان سهما مريضا تبلغ به الأغراض، كما علا فصار بريش القوادم كالأهداب لعين الشمس، وأمسى عند الهبوط لعين الهلال كالشمس، فهو الطائر الميمون والغاية السباقة، والأمير الذي إذا أودع أسرار الملوك حملها بطاقة، فهو من الطيور التي خلا لها الجو فنقرت ما شاءت من حبات النجوم، والعجماء التي من أخذ عنها شرح المعلقات فقد أعرب عن دقائق الفهوم، والمقدمة والنتيجة الكتاب الحجلي في منطق الطير وهو من جملة الكتاب الذي إذا وصل القارىء منه إلى الفتح تهلل بفاتحة الخير، وإن تصدر البازي بغير علم فكم جمعت بين طرفي كتاب وإن سألت العقبان عن بديع السجع أحجمت عن رد الجواب.
شعر:
رعت النسورٌ بقوةٍ جيفَ الفلا ... ورعى الذبابُ الشهدَ وهو ضعيف
ما قدمت إلا وأورثتنا من شمائلها اللطيفة نعم القادمة، وأظهرت لنا من خوافيها ما كانت له خير كاتمة، كم أهدت من مخلقها وهي غادية رائحة، وكم حنت إليها الجوارح وهي أدام الله اطلاقها غير جارحة، وكم أدارت من كؤوس السجع ما هو أرق من قهوة الانشا، وأبهج على زهر المنثور من صبيح الأعشا، وكم عامت بحور الفضا ولم تحفل بموج الجبال، وكم جاءت ببشارة وخضبت الكف ورمت من تلك الأنملة قلامة الهلال، وكم زاحمت النجوم بالمناكب حتى ظفرت بكف الخضيب، وانحدرت كأنها دمعة سقطت على خد الشفق لأمر مريب، وكم لمع في أصيل الشمس خضاب كفها الوضاح، فصارت بسموها وفرط البهجة كمشكاة فيها مصباح، والله تعالى يديم بأفنان أبوابه العالية ألحان السواجع، ولا برح تغريدها مطربا بين البادي والراجع، انتهى.