ونقل قاضي القضاء شمس الدين ابن خلكان في تاريخه أن أبا جعفر أحمد بن عيسى البلادري المؤرخ قال كنت من جلساء المستعين فقصده الشعراء فقال لست أقبل إلا من يقول مثل قول البحتري في المتوكل:
فلو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
قال البلاذري فرجعت إلى داري وأتيته وقلت قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري قال هاته فأنشدته:
ولو أن بُرد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه
فقال أرجع إلى منزلك وأفعل ما آمرك به فرجعت فبعث إلي سبعة آلاف دينار وقال ادخر هذه للحوادث من بعدي ولك الجراية والكفاية ما دمت حياً.
ويعجبني من المدائح الرافلة في حلل الحشمة قول عبد الله الأسطرلابي:
أهدي لمجلسه الكريم وإنما ... أهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما لَهُ ... فضلٌ عليه لأنه من مائه
ومثله قول القاضي الفاضل وقد كتبت به إلى وزير بغداد:
يا أيها المولى الوزير ومن له ... مننٌ حللن من الزمان وثاقي
من شاكرٌ عني نداك فإنني ... من عظمِ ما أوليت صاق نطاقي
مننٌ تخفُّ على يديك وإنما ... ثقلت مؤنتها على الأعناق
قلت كان نظم القاضي الفاضل رحمه الله ونثره كفرسي رهان ولكن نثر أكثر مما نظم. وأجمع الناس أنه أتى مع الإكثار بالعجائب. وذكر قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه أن مسودات رسائله إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو يجيد في أكثرها ولعمري إن الإنشاء الذي صدر في الأيام الأموية والأيام العباسية نسي وألغي بإنشاء الفاضل وما أخترعه من النكت الأدبية والمعاني المخترعة والأنواع البديعة والذي يؤيده قول العماد الكاتب في الخريدة إنه في صناعة الإنشاء كالشريعة المحمدية نسخت الشرائع.
ومن غرر نثره هذه الرسالة التي أنشأها في حمائم الرسائل وسحب فيها ذيل البلاغة والفصاحة على سحبان وائل، وهي سرحة لا تحمل من البطائق أجنحة، وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر، وتطوير الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي لها الأرض حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمة، وتقرب منها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همة، وتكون مراكب الأغراض والأجنحة قلوعا، وتركب الجو بحرا يصفق فيه هبوب الرياح موجاً مرفوعاً، وتعلق الحاجات على إعجازها، ولا تعوق الإرادات عن إنجازها ومن بلاغات البطائق استعادت ما هي مشهورة به من السجع، ومن رياض كتبها ألفت الرياض فهي دائمة الرجع، وقد سكنت النجوم فهي أنجم، وأعدت في كنانتها فهي للحاجات أسهم، وكادت تكون ملائكة لأنها رسل، وإذا أنيطت بالرقاع صارت أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وقد باعد الله بين أسفارها وقربها، وجعلها طيف خيال اليقظة الذي صدق العين وما كذبها، وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقا وأدت من أذنابها أورقاا، وصارت خوافي من وراء الخوافي، وأعطت سرها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الصوافي، ترغم أنف النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ نجم السعود، وهي أنبياء الطيور لكثرة ما تأتي به من الأنباء وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء.