ومن لطائف المنقول ما حكي عن أبي معشر البلخي المنجم الإمام المصنف صاحب التصانيف المفيدة في علم النجوم قيل إنه كان متصلا بخدمة بعض الملوك وإن ذاك الملك طلب رجلا من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه فاستخفى وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطريقة التي يستخرج بها الخبايا والأشياء الكامنة فأراد أن يعمل شيئا حتى لا يهتدي إليه ويبعد عنه حديثه فأخذ طستا وجعل فيه دما وجعل في الدم هاون ذهب وقعد على الهاون أياما وتطلبه الملك وبالغ في الطلب فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وطلب إظهاره فعمل المسألة التي يستخرج بها وسكت زمانا حائرا فقال له الملك ما سبب سكوتك وحيرتك فقال أرى شيئا عجيبا فقال وما هو قال أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم ولا أعلم في العالم موضعا على هذه الصفة فقال إلا أعد نظرك ففعل ثم قال ما أرى له إلا ما ذكرت هذا شيء ما وقع لي مثله فلما أيس الملك من تحصيله نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه فلما اطمأن الرجل ظهر وحضر بين يدي الملك فسأله عن الموضع الذي كان فيه فأخبره بما اعتمد عليه فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ولطافة أبي معشر المنجم في استخراجه وله غير ذلك من الإصابات. قال قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ومما يناسب هذا من فطن المتطببين ما رواه الحسين بن إدريس الحلواني قال سمعت الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه يقول ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن قيل له ولم ذلك قال لأنه لا يعدو العاقل إحدى خلتين إما أن يهتم لآخرته ومعاده أو لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد ثم قال وكان بعض ملوك الأرض قديما كثير الشحم لا ينتفع بنفسه فجمع الحكماء وقال احتالوا لي بحيلة يخف عني لحمي هذا قليلا قال فما قدروا له على شيء فجاءه رجل عاقل لبيب متطبب فقال عالجني ولك الغنى قال أصلح الله الملك أنا طبيب منجم دعني حتى أنظر الليلة في طالعك لأرى أي دواء يوافقه فلما أصبح قال أيها الملك الأمان فلما أمنه قال رأيت طالعك يدل على أنه لم يبق من عمرك غير شهر واحد فإن اخترت عالجتك وإن أردت بيان ذلك فاحبسني عندك فإن كان لقولي حقيقة فخل عني وإلا فاقتص مني قال فحبسه ثم رفع الملك الملاهي واحتجب عن الناس وخلا وحده مغتما فكلما انسلخ يوم ازداد هما وغما حتى هزل وخف لحمه ومضى لذلك ثمان وعشرون يوما فبعث إليه وأخرجه فقال ما ترى فقال أعز الله الملك أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب والله إني لم أعلم عمري فكيف أعلم عمرك ولكن لم يكن عندي دواء إلا الغم فلم أقدر أن أجلب إليك الغم إلا بهذه الحيلة فإن الغم يذيب الشحم فأجازه على ذلك وأحسن إليه غاية الإحسان وذاق حلاوة الفرح بعد مرارة الغم. قلت ويعجبني قول جعفر بن شمس الخلافة في هذا المعنى:
هي شدة يأتي الرخاء عقيبها ... وأسىً يُبشِّرُ بالسرور العاجل
وإذا نظرت فإن بؤساً عاجلاً ... للمرء خيرٌ من نعيمٍ زائل
ويعجبني قوله وإن كان في غير ما نحن فيه :
مدحتك ألسنة الأنام مخافةً ... وتشاهدت لك بالثناء الأحسنِ
أتُرى الزمان مؤخِّراً في مدَّتي ... حتى أعيش إلى انطلاق الألسن
نادرة لطيفة نقل عن قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه أن الجنيد قال ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها قيل له وما هي قال مررت بدرب القراطيس فسمعت جارية تغني من دار وتقول هذه الأبيات:
إذا قلتُ اهدى الهجرُ لي حُلَلَ الأسى ... تقولين لولا الهجرُ لم يطب الحبُّ
وإن قلتُ ما أذنبتُ قلتُ مجيبةً ... حياتُكِ ذنبٌ لا يقاسُ به ذنب
فصعقت وصحت فبينما أنا كذلك إذ خرج صاحب الدار فقال ما هذا يا سيدي فقلت له مما سمعت فقال إنها هبة مني إليك فقلت قد قبلت وهي حرة لوجه الله تعالى ثم دفعها لبعض أصحابنا بالرباط فولدت منه ولدا نبيلا حج على قدميه ثلاثين حجة.