ومن الغايات التي لا تدرك ما حكاه الشريف المقّري في شرح بديعته أن صائغا نصرانياً اسمه نجم صاغ خاتماً لبعض أولاد وزراء بيت المقدس وكان اسمه يحيى فنقش عليه نجم عشق يحيى ودفعه له فلما قرأه طاش عقله وامتلأ غيظاً وذهب إلى أبيه وقال له اقرأ ما على هذا الخاتم فلما قرأه حصل في نفسه تأثير فأرسل خلفه وعقد مجلساً لدى القاضي وأراد قتله فلما حضر أعلم بذلك فقال ما ذنبي وأنتم تروون عن نبيكم: من قتل ذميا كنت خصمه يوم القيامة فقال له أو تتكلم وخطك يشهد عليك كيف تكتب نَجَمَ عشق يحيى فقال والله ما كتبت إلا ما تتبركون به في كتابكم فكتبت نجم عشق يحيى فطرب المجلس لذلك واستحسنوا ذكاءه وأشاروا عليه بالإسلام فهذا من الاتفاق العجيب.
ومثل ذلك قول أبو نواس يهجو خالصة جارية الرشيد:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع درُّ على خالصه
فلما بلغ الرشيد أنكر عليه وهدده فقال لم أقل إلا ضاء واستحسن مواربته وقال بعض من حضر هذا البيت قلعت عينه فأبصر.
حكي عن أبي العيناء أنه قال رأيت جارية مع النخاس وهي تحلف أن لا ترجع لمولاها فسألتها عن ذلك فقالت يا سيدي: أنّه يواقعني من قيام ويصلي من قعود ويشتمني بأعراب ويلحن في القرآن ويصوم الخميس والاثنين ويفطر رمضان ويصلي الضحى ويترك الفرض فقلت لا أكثر الله مثله في المسلمين.
وقيل زنى رجل بجارية فأحبلها فقيل له يا عدو الله هلا إذا ابتليت بفاحشة عزلت قال قد بلغني أن العزل مكروه قالوا فما بلغك أن الزنا حرام.
وقيل لأعرابي كان يتعشق قينة ما يضرك لو اشتريتها ببعض ما تنفق عليها قال فمن لي إذ ذاك بلذة الخلسة ولقاء المسارقة وانتظار الموعد.
وحكي أن علية بنت المهدي كانت تهوى غلاماً خادماً اسمه طلٌّ فحلف الرشيد أن لا تكلمه ولا تذكره في شعرها فاطلع الرشيد يوما عليها وهي تقرأ سورة البقرة فإن لم يصبها وابل فالذي نهى عنه أمير المؤمنين.
قيل دخلت امرأة على هارون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه فقالت يا أمير المؤمنين أقر الله عينك وفرحك بما آتاك وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت فقال لها من تكونين أيتها المرأة فقالت من آل برمك ممن قتلت رجالهم وأخذت أموالهم وسلبت نوالهم فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله ونفذ فيهم قدره وأما المال فمردود إليك ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه فقال أتدرون ما قالت المرأة فقالوا ما نراها قالت إلا خيراً قال ما أظنكم فهمتم ذلك أما قولها أقر الله عينك أي أسكنها عن الحركة وإذا أسكنت العين عن الحركة عميت وأما قولها وفرحك بما آتاك فأخذته من قوله تعالى حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وأما قولها وأتم الله سعدك فأخذته من قول الشاعر.
إذا تمَّ أمرٌ بدا نقصه ... ترقَّب زوالاً إذا قيل تم
وأما قولها لقد حكمت فقسطت فأخذته من قوله تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا فتعجبوا من ذلك.
وحكي أن المأمون ولّى عاملاً على بلاد وكان يعرف منه الجور في حكمه فأرسل إليه رجلاً من أرباب دولته ليمتحنه فلما قدم عليه أظهر أنه قدم في تجارة بنفسه ولم يعلمه أن أمير المؤمنين عنده علم منه فأكرم نزله وأحسن إليه وسأله أن يكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين المأمون يشكر سيرته عنده ليزداد فيه أمير المؤمنين رغبة فكتب كتابا فيه بعد الثناء على أمير المؤمنين أما بعد الثناء على أمير المؤمنين أما بعد فقد قدمنا على فلان فوجدناه آخذاً بالعزم عاملاً بالحزم قد عدل بين رعيته وساوى في أقضيته أغنى القاصد وأرضى الوارد وأنزلهم منه منازل الأولاد وأذهب ما بينهم من الضغائن والأحقاد وعمر منهم المساجد الدائرة وأفرغهم من عمل الدنيا وشغلهم بعمل الآخرة يعني أن الكل صاروا فقراء لايملكون شيئاً من الدنيا يريدون النظر إلى وجه أمير المؤمنين أي ليشكو حالهم وما نزل بهم فلما جاء الكتاب إلى المأمون عزله عنهم لوقته وولى عليهم غيره.