ومورّدُ الوجنات دبَّ عِذارَهُ ... فكأنَّهُ خطٌّ على قرطاس
لمّا رأيتُ عذاره مستعجلاً ... قد رام يخفي الوردّ منهُ بآس
ناديته قفْ كي أودّع ورده ... ما في وقوفك ساعةٌ من باس
ومن البديع ما يحكي أن الشيخ ابن كثير صاحب التاريخ كان له صفَّة على باب داره يجلس ويطالع فيها استئناساً بالمارة لسآمة الوحدة وإلى جواره جار له رث الثياب وكان إذا رأى الشيخ جالساً على الصفَّة يجيء ويركب أكتافه فتفوح منه رائحة فيتأذى ويستحي أني يصرفه فاشتد غيظه يوماً فقال له: يا شيخ أما تستحي كلما تراني جالساً تجيء تركب أكتافي وأنت لست تعرف ما أطالعه ولا لك شعور به فلما أخجله بهذا التعنيف قال له يا سيدي الشيخ ما هذا الذي تطالع فيه من العلوم فقال شيء في الأقتباس فقال له أنشدني منه شيئاً ففكر ابن كثير ساعة واقتبس في مطالعة الحال وقال:
كيد حسودي وهَنَا ... ولي سرورٌ وهنا
الحمد لله الذي ... أذهب عنّا الحزنا
فلما فرغ من إنشاده قال له هذا الذي أفكرت فيه وتتكثر به أسمع ما أقول فأنشد ارتجالاً من غير وقفة:
قلبي إلى الرشد يسير ... وعنده النَّظم يسيرْ
الحمد لله الذي ... فضّلنا على كثير
واعتذر له وقال له إياك أن تزدري بأحد فإن مواهب الله تعالى في الصدور لا في الثياب انتهى.
ومن اللطائف ما حكي أن بعض الملوك حاصر ملكاً وأطال في حصاره فلما اشتد به المحاصرة استدعى بوزرائه فقال ما ترون وقد تأخرت بنا هذه الحال هل نسلمه أم نخرج عليه ليلاً ويفعل الله بنا ما يشاء فقال بعض وزرائه قد بدا لي رأي أرى أنهم ينصرفون به عنا من غير قتال فقال ما هو قال يجمع مولاي ما في خزانته من الذهب ويحضره فلما أحضره استدعى بالصياغ وأمرهم أن يصوغوه جميعه سهاما زنة كل سهم قدر معلوم فعملت على الأمر المذكور فكتب الوزير على كل نصل سطرين ثم أمر أن تركب السهام فلما ركبت أمر حاشية الملك بأن يأخذ كل واحد سهماً وأمرهم أن يرموها عن قوس واحد على العسكر المحتاط بهم فتلألأ لمعان نصالها حتى أدهش العيون فأمر الملك أن تجمع فلما جمعت بين يديه أمر أن يقرأ ما عليها فإذا هو مكتوب:
ومن جوده يرمي العفاة بأسهمٍ ... من الذهب الابريز صيغت نصولها
لينفقها مجروحها في دوائه ... ويشتري الأكفان منها قتيلها
فلما سمع ذلك أمر بالرحيل من ساعته وقال مثل هذا لا يحاصر ولا يقاتل.
ومن ذلك ما يحكي أن الشيخ شمس الدين المعروف بالدجوي رحمه الله تعالى كان يتعشق مليحاً فرآه بعد مدة وهو يتوجع من دمل طلع في دبره فسأله فقال دمل في ذلك المحل فضحك الشيخ ضحكاً شديداً وقال ما رأيت أعجب من هذا الدمل فقال له الشاب ولم قال الدمامل تطلع في أضيق المواضع وهذا على غير القياس جاء في أوسع المواضع فتبسم الشاب خجلاً ومضى انتهى.
لطيفة يحكى أن نقيب الأشراف ببغداد كان يهوى غلاماً اسمه صدقة فأخذه ابن المنير الطرابلسي يوماً وأضافه وجلس في طبقة له فذهب إليهم على خفية وقال:
يا من هُمُ في الطبقّةْ ... هل عندكم من شفقة
لسائلٍ متيّمٍ ... يطلب منكم صدقة
فأجابه ابن المنير ارتجالاً في الحال بقوله:
يا من أتانا سرقة ... بمهجةٍ محترقة
جدّك يا ذا لم يجز ... أخذك منّا صدقة
ومن المستعذب ما يحكى عن الفضل قال دخلت على الرشيد وبين يديه طبق ورد وعنده جاريته مارية وكانت تحسن الشعر والأدب مع الحسن والجمال فقال يا فضل قل في هذا الورد فأنشده بديها:
كأنهّا فم محبوبٍ يقبِّله ... فم الحبيب وقد أبدى به خجلا
فقال الرشيد ما تقولين يا مارية فأنشدته:
كأنّه لون خدي حين تدفعني ... كفُّ الرشيد لأمرٍ يوجب الغسلا
فقال الرشيد قم يا فضل فقد هيجتني هذه الماجنة فقمت وقد أرخيت الستور.