وحكى أحمد بن فضل العمري في كتابه المسمى مسالك الأبصار في ممالك الأمصار في ترجمة صفي الدين عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر المويسيقي قال ذكر العم حسن الاربلي في تاريخه قال جلست مع صفي الدين عبد المؤمن بالمدرسة المستنصرية جرى ذكر واقعة بغداد فأخبرني أن هلاكو طلب رؤساء البلد وعرفاءها وطلب منهم أن يقسموا دروب بغداد ومحالها وبيوت دوي يسارها على أمراء دولته فقسموها وجعلوا كل محلة أو محلتين أو سوقين باسم أمير كبير فوقع الدرب الذي كنت أسكنه في حصة أمير مقدم على عشرة آلاف فارس اسمه نانو نوين وكان هلاكو قد رسم لبعض الأمراء أن يقتل ويأسر وينهب مدة ثلاثة أيام ولبعضهم يومين ولبعضهم يوما واحداً على حسب طبقاتهم فلما دخل الأمراء إلى بغداد كان أول درب جاء إليه الأمير الدرب الذي أنا ساكنه وقد اجتمع فيه خلق كثير من ذوي اليسار واجتمع عندي نحو خمسين جارية من أرباب المغاني وذوات الحسن والجمال فوقف نانو نوين على باب الدرب وهو مننَّرس بالأخشاب والتراب وطرقوا الباب وقالوا افتحوا لنا وادخلوا في الطاعة ولكم الأمان وإلا أحرقنا الباب وقتلناكم ومعه النجارون وخلافهم وأصحابه بالسلاح قال صفي الدين عبد المؤمن فقلت السمع والطاعة أنا أخرج إليه ففتحت الباب وخرجت وحدي عليَّ أثواب وسخة وأنا أنتظر الموت فقبلت الأرض بين يديه فقال للترجمان قل له أنت كبير هذا الدرب فقلت نعم فقال إن أردتم السلامة من الموت فأحملوا لنا كذا وكذا وطلب شيئاً كثيراً فقبلت الأرض مرة ثانية وقلت كل ما طلبه الأمير يحضر وصار كل ما في هذا الدرب بحكمك ومن تريد من خواصك فإنزل لأجمع لك كل ما طلبت فشارو أصحابه ونزل في نحو ثلاثين رجلا من خواصه فأتيت به داري وفرشت له الفرش الخليفية الفاخرة والسرر المطرزة بالزركش وأحضرت له في الحال أطعمة فاخرة وشواء وحلواء وجعلتها بين يديه فلما فرغ من الأكل عملت له مجلساً ملوكياً وأحضرت الأواني المذهبة من الزجاج الحلبي وأواني فضة فيها شراب مروق فلما دارت الأقداح وسكر قليلاً أحضرت عشر مغنيات كل واحدة تغني بملهاة غير ملهاة الأخرى فغنين كلهن فارتج المجلس وطرب وانبسطت نفسه فضم واحدة من المغنيات أعجبته فواقعها في المجلس ونحن نشاهده وأتم يومه في غاية الطيبة فلما كان وقت العصر وحضر أصحابه بالنهب والسبايا قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفاً جليلة من أواني الذهب والفضة ومن النقد ومن الأقمشة الفاخرة شيئاً كثيراً سوى العليق ووهبت له الغواني التي كان بين يديه واعتذرت من التقصير وقلت جاء الأمير على غفلة لكن غدا إن شاء الله تعالى أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه فركب وقبلت ركابه ورجعت فجمعت أهل الدرب من ذوي النعمة واليسار وقلت لهم أنظروا لأنفسكم هذا الرجل غدا عندي وكذا بعد غد وكل يوم أزيد اضعاف اليوم المتقدم فجمعوا إلي من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني فرأى ما أذهله وجاء في هذا اليوم ومعه نساؤه فقدمت له ولنسائه من الذخائر والذهب النقد ما قيمته عشرون ألف دينار وقدمت له في اليوم الثالث لآلىء نفيسة وجواهر ثمينة وبغلة جليلة بآلات خليفية وقلت هذه من مراكب الخليفة وقدمت لجميع من معه وقلت هذا الدرب صار بحكمك وإن تصدقت على أهله بأرواحهم فيكون لك وجه أبيض عند الله وعند الناس فما بقي عندهم سوى أرواحهم فقال قد عرفت ذلك من أول يوم وهبتهم أرواحهم وما حدثتني نفسي بقتلهم ولا سلبهم لكن أنت تجهز معي إلى حضرة الأمير فقد ذكرتك وقدمت له شيئاً من المستظرفات التي قدمتها إلي فأعجبته ورسم بحضورك فخفت على نفسي وعلى أهل الدرب وقلت هذا يخرجني إلى خارج بغداد ويقتلني وينهب الدرب فظهر عليَّ الخوف وقلت يا خوند هلاكو ملك كبير وأنا رجل حقير مغن أخشى منه ومن هيبته فقال لا تخف ما يصيبك إلا الخير فإنه رجل يحب أهل الفضائل فقلت في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه قال نعم فقلت لأهل الدرب ما عندكم من النفائس فائتوني بكل ما تقدرون عليه فأخذت معي من المغنيات الجليلة ومن النقد الكثير من الذهب والفضة وهيأت مآكل كثيرة طيبة وشراباً كثيراً عتيقاً فائقا وأواني فاخرة كلها من الفضة المنقوشة بالذهب وأخذت معي ثلاث جوار مغنيات من أجلِّ من كان عندي وأنفسهن للضرب ولبست بدلة من القماش
Fruits of the Leaves
الوليد ومسامر الخلفاءنص أصلي Public domain
مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها
مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.