ومن غريب ما يحكى ما حكاه القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة: أنّ منارة صاحب الخلفاء قال رفع إلى هارون الرشيد أن رجلا بدمشق من بقايا بني أمية عظيم المال كثير الجاه مطاع له في البلدان جماعة وأولاد ومماليك وموال يركبون الخيول ويحملون اليلاح ويغزون الروم وأنه سمح جواد كثير البذل والضيافة وأنه لا يؤمن من فتق يبعد رتقه فعظم ذلك على الرشيد قال الرشيد قال منارة وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض حججه في سنة 186 وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون والمؤتمن أولاده فدعاني وهو خال وقال أني دعوتك لأمر يهمني وقد منعني النوم فانظر كيف تعمل ثم قص علّي خبر الأموي وقال أخرج الساعة فقد أعددت لك الجائزة والنفقة والآلة ويضم إليك مائة غلام واسلك البرية وهذا كتبي إلى أمير دمشق وهذه قيود فادخل فأبدأ بالرجل فإن سمع وأطاع فقيده وجئني به وإن عصى فتوكل به أنت ومن معك وأنفذ هذا الكتاب إلى نائب الشام ليركب في جيشه ويقبضوا عليه وجئني به وقد أجلتك لذهابك ستا ولمجيئك ستا وهذا محمل تجعله في شقة إذا قيدته وتقعد أنت في الشق الآخر ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر من خروجك فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها وأهله وولده وحشمه وغلمانه وقدر النعمة والحال والمحل واحفظ ما يقوله الرجل حرفا بحرف من ألفاظه من حين وقوع طرفك عليه إلى أن تأتيني به وإياك أن يشذ عنك شيء من أمره انطلق، قال منارة، فودعته وخرجت وركبت الإبل وسرت أطوي المنازل أسير الليل والنهار ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين والبول وتنفيس النفس قليلاً إلى أن وصلت دمشق في أول الليلة السابعة وأبواب البلد مغلقة فكرهت الدخول ليلا فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح الباب فدخلت على هيئتي حتى أتيت دار الرجل وعليها صف عظيم وحاشية كثيرة فلم أستأذن ودخلت بغير إذن فلما رأى القوم ذلك سألوا بعض غلماني فقالوا هذا منارة رسول أمير المؤمنين إلى صاحبكم فلما صرت في صحن الدار أنزلت ودخلت مجلساً رأيت فيه قوما جلوساً فظننت أن الرجل فيهم فقاموا رحبوا بي فقلت افيكم فلان قالوا لا نحن أولاده وهو في الحمام فقلت استعجلوه فمضى بعضهم يستعجله وأنا أتفقد الدار والأحوال والحاشية فوجدتها قد ماجت بأهلها موجا شديداً فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن طال واستربت به واشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى إلى أن رأيت شيخاً بزي الحمام يمشي في الصحن وحواليه جماعة كهول وأحداث وصبيان وهم أولاده وغلمانه فعلمت أنه الرجل فجاء حتى جلس فسلم علي سلاماً خفياً وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة أمر حضرته فأخبرته كما وجب وما قضى كلامه حتى جاءوا بأطباق فاكهة فقال تقدم يا منارة فكُلْ معنا فقلت مالي إلى ذلك من حاجة فلم يعاودني وأقبل يأكل هو ومن عنده ثم غسل يديه ودعا بالطعام فجاءوا بمائدة عظيمة لم أرّ مثلها إلا للخليفة فقال تقدم يا منارة فساعدنا على الأكل لا يزيدني على أن يدعوني بإسمي كما يدعوني الخليفة فامتنعت عليه فما عاودني وأكل هو ومن عنده وكانوا تسعة من أولاده فتأملت أكله في نفسه فوجدته أكل الملوك ووجدت جأشه رابضاً وذلك الأضطراب الذي في داره قد سكن ووجدتهم لا يرفعون من بين يديه شيئاً قد وضع على المائدة إلا نهبا وقد كان غلمانه أخذوا المال لما نزلت الدار وجمالي وجميع غلماني بالمنع من الدخول فما أطاقوا ممانعتهم وبقيت وحدي ليس بين يدي إلا خمسة أو ستة غلمان وقوف على رأسي فقلت في نفسي هذا جبار عنيد وإن امتنع علي من الشخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمن معي ولا أطيق حفظه إلى أن يلحقني أمير البلد فجزعت جزعاً شديداً ورابني منه استخفافه بي في الأكل ولا يسألني عما جئت به ويأكل مطمئناً وأنا مفكر في ذلك فلما فرغ من أكله وغسل يديه دعا ببخور فتبخر وقام إلى الصلاة فصلى الظهر وأكثر من الدعاء والابتهال فرأيت صلاته حسنة فلما انتقل من المحراب أقبل علي وقال ما أقدمك يا منارة فقلت أمر لك من أمير المؤمنين وأخرجت الكتاب ودفعته إليه فقرأه فلما استتم قراءته دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق كثير فلم أشك أنه يريد أني وقع بي فلما تكاملوا ابتدأ فحلف إيماناً غليظة فيها الطلاق والعتاق والحج وأمرهم أن ينصرفوا ويدخلوا منازلهم ولا يجتمع منهم إثنان في مكان واحد
Fruits of the Leaves
الوليد ومسامر الخلفاءTexto original Public domain
Pasa el cursor sobre cualquier palabra de esta página para ver su significado
Con una cuenta gratuita, pasa el cursor sobre cualquier palabra de la biblioteca para ver su significado, escúchala en voz alta, guarda palabras para repasarlas al ritmo de tu memoria y descubre cuánto de cada libro ya conoces.