وحكي عن ابن المبارك أنه قال حججت إلى بيت الله الحرام فبينما أنا في الطواف إذ عييت فجلست أستريح ووضعت راسي على ركبتي فغلبني النوم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول يا ابن المبارك إذا أنت قضيت حجك وحللت عقدك ورجعت إلى أرض العراق ودخلت دار السلام فأقصد الحلة اليت بها بهرام المجوسي فإذا لقيته فأخبره أن النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم يسلم عليه وهو يقول لك أبشر فإن قصرك في الجنة غدا من أقرب القصور إلى قصري قال عبد الله فانتبهت لذلك فزعا مرعوباً وتفكرت ساعة فغلبني النوم ثانيا فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يقول يا ابن المبارك لا تشك في منامك فهو حق والشيطان لا يتمثل بصورتي قط فإذا قضيت حجَّك وحللت عقدك وأنصرفت إلى العراق فاطلب هذا المجوسي بهرام وبشره بما قلت لك فانتبهت أيضاً مرعوباً واستعذت بالله واستغفرته وتفكرت ساعة فغلبني النوم فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم ثالث مرة وهو يقول يا ابن المبارك أنا محمد رسول الله فلا ترتبك في ذلك وامتثل أمري فهو حق فقلت يا رسول الله أريد بذلك علامة ألقاه بها فأخذ رسول كفي بيمينه ثم قال: يا ابن المبارك هذا المجوسي شيخ زمنٌ قد أتى عليه مائة وأربعون سنة وقد ضعف بصره وثقل سمعه وأبيض شعره ودق عظمه ويبس عصبه وجلده فإذا أتيته وسلمت عليه وبشرته بما قلت لك وطلب منك علامة فأمسح بيدك هذه التي أخذتها بيميني على رأسه ومر بها على وجهه وسائر جسده وبدنه فإنه يعود شاباً ويرجع إليه بصره وسمعه ويسود شعره ويطرى جسده ويقوى عصبه وتعود إليه قوته فانتبهت وأنا كالولهان فلما أن قضيت حجي وحللت عقدي وانصرفت إلى العراق ودخلت بغداد سألت عن دار المجوسي فقلت يا غلام استأذن لي على مولاك فقال الغلام أغريب أنت قلت أجل قال أدخل ليس هنا من يحجبك قال فدخلت إلى دار لم أرّ مثلها وإذا بكتبة ومجوس وصياريف قعود وهم يقبضون الرهون ويعطون الدنانير والدراهم فقلت يا قوم افيكم بهرام فقيل أدخل الدار الثانية فدخلتها فإذا ليس بينها وبين الدار الأولى نسبة بل تفاوت وإذا بشيخ قاعد على دست ومرتبة على الصفة التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله جماعة من الكتاب والحساب وبين أيديهم الدنانير والدراهم كالبيادر الصغار وهم في الحساب فسلمت كما أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فرد علي السلام وكان قد شد حاجبه بعصابة فرفعها عن عينه ثم قال من الرجل قلت عبد الله بن المبارك فقال مرحباً بك لقد شممت بك رائحةً زال بها الهم عن قلبي أدنُ من فجلست إلى جانبه فقال هل لك من حاجة قلت نعم قال وما هي قلت أرى أن أخلو بك ساعة فقال نعم وأمر من هناك بالخروج فتهيأوا ثم خرجوا فبقيت أنا وهو وثلاثة شبان قلت هؤلاء أصرفهم يا بهرام كم تعد من السنين قال أعد مائة وأربعين سنة قلت فهل تعرف أنك عملت شيئاً استوجبت به من الله الجنة قال لا أدري إلا أني رزقت ثلاثة بنين وثلاث بنات فزوجت بعضهم من بعض وأعطيت مهروهن من عندي وافردت لكل واحد منهم مالاً وداراً وعقارات قلت لا تستوجب الجنة بل تستوجب النار فهل عملت شيئاً صالحا لآخرتك قال قسمت ليلي ثلاثة أجزاء أما الجزء الأول فإني أقعد للمساهرة وتُقرأ عليَّ سير الأول فانفرج بذلك والجزء الثاني أعبد فيه النار وأسجد لها من دون الله الواحد القهار والجزء الثالث أفكر فيه في أمر معاشي ومعادي وأمنع نفسي عن النوم في ذلك الجزء فإن النوم فيه جهل وخمول ودماء إلا لضرورة فقلت هل لك فعل غير هذا قال لا قلت يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد فيم استحقيت يا بهرام الجنة قال ويحك يا بن المبارك أتقطع لي بالجنة وأنت عالم المسلمين من أخبرك بذلك قلت أخبرني الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم قال فما القصة فحدثته بالمنام الذي رأيته وبما قاله النبي صلى الله عليه وسلم مراراً فقال يا بن المبارك وهل لذلك علامة ظاهرة قلت نعم أدنُ مني فدنا فمسحت بيدي رأسه ووجهه وصدره وبدنه وأولاده ينظرون فصار شاباً حسناً طرياً سميعاً بصيراً وأسود شعره وأبيضت بشرته فلما عاين ذلك قال أمدد يدك يا شيخ أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قال يا شيخ أأخبرك السبب الذي أوجب الله لي به هذه المنزلة قلت نعم قال كنت من مدة قد أولمت وليمة عامة للمسلمين والنصارى
Fruits of the Leaves
الوليد ومسامر الخلفاءنص أصلي Public domain
مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها
مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.