ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه، وانقطع ظهر ثور فأهلك الحرث والنسل بقطعه، وبردى حمي مزاجه لما شعر بالحريق، ولم يبق في ثغره الأشنب برد حصائبه ما يبلّ الريق، وانقطع وقد اعتلى من غيضه بانياس، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس، وجرى الدم من شدة الطعن بالقنوات، وكسرت قناة المرجة فذاقت مر العيش بعد حلاوة تلك القطف الدانيات، وكسر الخلخال لما قام الحرب على ساقه، وسقط براس كل غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه، وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدر بعد ما كان يصفي لنا قلبه، وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبة، طالما كان أهله فاكهين، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم فقالوا: وكنا نخوض مع الخائضين، وذبلت عوارض تلك الجزيرة التي كانت على وجنات شطوطه مستديرة، فقلنا بعد عروس دمشق وحماتها لا حاجة لنا بحمص والجزيرة، فيا لهفي على منازل الشرف وذلك الوادي الذي نعق به غراب البين، ويا شوقي إلى رأس تلك المرحلة التي كانت تجلسنا قبل اليوم على الرأس والعين، هذا وقد اسودت الشقراء فأمست كابية لما حصل على ظهرها من الجولان، وجانسها العكس فأضحت باكية على فراق الأبلق واخضر ذلك الميدان، يا مولانا لقد بكى المملوك من الأسف بدمعة حمراء على ما جرى من أهل الشهباء، هل في الميدان على الشقراء حتى كذّب الناس من قال:
قُلْ للذي قايس بين حلبٍ ... وجلّقٍ بمقتضى عيانها
ما تلحق الشهباء في حلبتها ... تعثّر الشقراء في ميدانها
فقال لسان الحال والله ما كذبت ولكنه قد يخبو الزناد، وقد يكبو الجواد، وقد يصاب الفارس بالعين التي تغمز قناته غمزا وأنشد:
ومن ظنَّ سيلاقي الحروب ... وإن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
ودخلت بعد ذلك إلى البلد فوجدت على أهله من دروع الصبر سكينة، فقلت با رب مكة والحرم أنظر إلى أحوال أهل المدينة، ولكن ما دخلت بها إلى حمام إلاّ وجدته قد ذاق لقطع الماء عنه حماما، واعلم القوام والقاعدون بأرضه أنها ساءت مستقرا ومقاما، وتلا على بيت ناره قلنا يا نار كوني برد وسلاما، فحسن أن أُنشد قول ابن الجوزي من الكان كان :
الحار عندك بارد ... والنهر أمسى منقطع
والعين لا ماء فيها ... ما حيلة القوّام
وأتيت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع، تمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات السحرية، وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت إلى تلك الشذور الذهبية، وآنست من جانب طوره نارا فرجع إلى ضياء حسي، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زها بالبساط والكرسي، وقلت هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا، وشقي من لم يدس بساطه ويأته طائعا، ولقد صدق من قال:
أرى الحسن مجموعاً بجامع جلّقٍ ... وفي صدره معنى الملاحة مشروحُ
فإن يتعالى بالجوامع معشرٌ ... فقل لهم بابُ الزيادة مفتوح
معبد له قصبات السبق ولكن كسرت عند قطع الماء قناته، ورأيته في القبلة من شدة الظمأ وقد قويت من ضجيج المسلمين أناته، وخفض النسر جناح الذل وود بأن يكون النسر الطائر، وطمست مقل تلك المصابيح فاندهش لذلك الناظر، هذا وكم نظرت إلى حجر مكرم ليس له بعد أكسير الماء جابر، واختفت نجوم تلك الأطباق التي كانت كالقلائد في جيد الغسق، ومرت حلاوة نارها بعدما ركبت طبقا عن طبق، وأصبح دوحه وهو بعد تلك النضارة والنعيم ذابل، وكادت قناديله وقد سلبت لفقد الماء أن تقطع السلاسل، ولم تشر الناس بأصابعها إلى فصوص تلك الخواتم المذهّبة، ولم يبق على ذلك الصحن طلاوة بعد الماء وحلاوة سكبه الطيّبة، وتذكر المنبر عند قطع الماء أوقاته بالروضة، وتكدرت أفراحه لما ذكر أيامه بتلك الغيضة، وأنشد لسان حاله:
لو أن مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبرُ