فقال مولانا الصاحب ما تقول في بيته فقلت ما أقول في جنة الخلد وشكا قوم عشرة هذا الرجل فكتبت على ورقتهم أصبروا على ما يفعلون، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعلمون، ثم دخل الناس على الأبواب الصاحبية افواجاً، وما ترك أحد منهم منهاجاً ذا ناحية إلا منهاجاً ومكثنا في البيوت إلى أن صحا الأفق من غمامه، وحسر عن وجهه للأبصار فضل ثلامه، وقمنا لبقية المشاهد قاصدين، ولتلك المباني المعظمة شاهدين ومشاهدين، فعاودنا الصخرة بقلوب قد لانت، ونثرنا على مواطىء القدم دموعاً عزت بلمسها ولا نقول هانت، ونظرنا آثار قديمة تذهل عيون النظارة، وآثاراً متجددة في هذه الدولة القاهرة تقصر عنها العبارة، ومحاسن يقف في طريق الزيارة متأملها، ووقفة في الطريق نصف الزيارة فمنها ما هو مخصوص بالحرم الشريف نستلم كالحجاج أركانه، ونقلب وجوهنا في سماء سقف يكاد يمطر علينا لجينه وعقيانه ونشاهد رخاماً بلغ في الحسن والمحل الأقصى في الأقصى، وتمت به في بهجه المكان زيادة تخالف قول النجاة: إنَّ في الترخيم نقصا، فأما المياه التي تجري في الحرم على رأسها، وتطوف على مواضع المنافع بنفسها، فتلك نعمة مقيمة يكافىء الله عنها في دار المقامة، وحسنة في المعنى والصورة جارية إلى يوم القيامة، ومن المباني المذكورة ما هو خصيص بمولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وأبقاه سيفا يقف كل ذي قدر عند حده فلا يجاوز مقداره، من مدرسة علم يدرس ولا يدرس معهده، ودار حديث يروي فيروي الأسماع الطامئة مورده، وخانقه تضيء عليها أنوار البركات الكوامل ورباط ومكتب هما كما قيل:
ثمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل
وقلت فيها:
بنيت رباطاً للنساء ومكتباً ... يدير على الأيتام سحب الفواضل
فللَّهِ من هذا وذاك كما ترى ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فجنينا من تلك المحاسن بساتين دانية القطوف؛ ولحظنا من الظلال السيفية جنة نشأت وكذلك الجنة نحت ظلال السيوف؛ وشرعت صدقات السر والجهر؛ وقوبل السؤال ببحر لا يسمع عنده نهر؛ وغص بفقرائهم المكان والطريق؛ وجاءوا رجالا ونساء وعلى كل ضامر من العصي يأتين من كل فج عميق؛ فوضع في مواضع النوال؛ وقدرت الكساوي حتى على المستورين والأطفال؛ هذا وكم ثياب صوف أعرض أشراقها عن مقال اللاحين؛ واتخذ الفقراء والأغنياء من أصوافها أثاثا ومتاعا إلى حين؛ وجاءت الدراهم بعد التفاصيل بالجمل؛ وقال جودها لحاتم هذي التي لا ناقة فيها ولا جمل.
ومما قلت في ذلك :
لله حال امرىءٍ مقترٍ ... قضيت في القدس بتنفيسه
ودرهمٍ ولّى ولكنّه ... قد أخذ الأجر على كيسه
ثم تليت الختمات التي شرف الله تعالى ذكرها، ومواعيد التفاسير والرقائق التي أجرت الأوقات الصاحبية أجرها، وشرع في بناء الرواق على سطح الزاوية الصاحبية بباب الحرم الشريف، وأخذ راقم الرخام في التوشيع والتفويف فيا لها ألواحا كتب فيها من الحسن كل شيء، واطرد ماء رونقها فكأن العين منها في ماء وفّيءٍ، ويا له رواقا شاق وصفه وراق، ورفع محله فقال لسان المتصوف حبذا رفاعي الرواق، ثم رتب للشيخ والفقراء ما يحتاجون إليه من كل نوع فريد، واصبح كل أحد وهو للنزول عند ذلك الشيخ مُريد، ورزنا في اليوم السابع من الإقامة وقد قدمنا نقصد الخليل صلوات الله عليه بالنية الجلية، وطربنا لتلك المنازل وكيف لا نطرب لها وهي الخليلية، وزرنا قبر يونس عليه السلام في طريقنا ورفعنا لأنواره الجفون، وتملّى عند الزيارة ذو العين بذي النون، ثم نزلنا من محل الخليل على محل القوي، وحمدنا عند صباح ذلك الوجه السّري، واستقبلنا بمقام إبراهيم أمانا، واستلمنا من ضريح شائد الركن ومن ضرائح أهله أركانا، وأكلنا من شهي عدسه لونا ووجدنا من الهناء ألوانا، وقلنا لأنفاس الشوق كوني بردا وسلاما على إبراهيم، ووردنا مورد اللقاء تشفي ظمأ إبراهيم، وفرقت الهبات، وتليت الختمات، وجردت المواعيد على عوائدها المحكمات، فقلت:
قصدنا خليل الله في ظلِّ صاحبٍ ... جليِّ العلى والمكرمات جليل
فهذا لدنيانا وهذا لديننا ... فيا حبذا من صاحبٍ وخليل