فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعيناي ينسكبان إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة يا عبد الله هل تعرف قائل هذا الشعر قلت لا والله قال قائله هذا الميت الذي دفناه وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولا تعرفه ولا تعلم إنه قائل هذه الأبيات وذو قرابته الذي ذكرته مسرور هو ذاك وأشار إلى رجل في الجماعة فرأيته لا يستطيع كتمان ما هو عليه من المسرة فقال معاوية يا أخا جرهم سل ما شئت قال ما مضى من عمري ترده والأجل إذا حضر تدفعه قال ليس ذلك لي سل غيره قال يا أمير المؤمنين ليس إليك رد شبابي ولا الآخرة فتكرم مآبي والمآل فقد أخذت عنه في عنفواني ما كفاني قال لابد أن تسألني قال أما إذا شئت فأمر لي برغيفين أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخرة واتق الله وأعلم أنك مفارق ما أنت فيه وقادم على ما قدمت، فأمر له معاوية بأشياء من حنطة وغيرها فردها وقال إن أعطيت المسلمين كلهم مثلها أعطيتني وإلا فلا حاجة لي في ذلك ثم ودعه وانصرف.
وقيل وفد عبد الله بن جعفر رضي الله عنه على أحد خلفاء بني أمية فقال له الخليفة كم كان أمير المؤمنين يعطيك يعني أباه قال كان رحمه الله يعطيني ألف ألف درهم قال زدناك لترحمك عليه ألف ألف درهم قال بأبي أنت وأمي قال وبهذه ألف ألف لا أقولها لأحد بعدك قال ولهذه ألف ألف قال منعني من الأطناب في وصفك الإشفاق عليك من جودك قال ولهذه ألف ألف فقيل: فرَّقتَ يا أمير المؤمنين بيت مال المسلمين على رجل واحد قال إنما فرقته على أهل المدينة أجمعين ثم وكل به من يعلمه بخبره من حيث لا يشعر فلما قدم المدينة فرق جميع ما معه حتى احتاج بعد شهر إلى القرض.
ومن لطائف المنقول أن رجلاً قال لهشام القرطبي كم تعد قال من واحد إلى ألف ألف وأكثر قال لم أرد هذا كم تعد من السن قال اثنتين وثلاثين سنا ستة عشر من أعلى وستة عشر من أسفل قال لم أرد هذا كم لك من السنين قال والله ليس لي منها شيء والسنون كلها لله قال يا هذا ما سنك قال عظم قال أبِنْ لي أبِنْ كم أنت قال اثنين رجل وامرأة قال كم أتى عليك قال لو أتى علي شيء قتلني قال كيف أقول قال تقول كم مضى من عمرك.
قيل عرض محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل عرض محمد بن الجهم دارة للبيع بخمسين ألف درهم فلما حضروا ليشتروا قال بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص فقالوا له والجوار يباع قال كيف لا يباع جوار من إن سألته أعطاك وإن سكت عنه ابتدأك وإن أسأت إليه أحسن إليك فبلغ ذلك سعيداً فوجه إليه بمائة ألف درهم وقال أمسك دارك عليك.
قيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخل قوم فيها غلام أسود يقوم عليها فأتى بثلاثة أقراص فدخل كلب فدنا منه فرمى إليه بالأول وبالثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت الكلب قال لان أرضنا ما هي بأرض كلاب وأخاله جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده قال فما كنت صانعاً اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر الأمر مبني على السخاء والله إن هذا لاسخى مني فاشترى النخل والعبد فأعتقه ووهب ذلك له.
ومن لطائف المنقول أنه رفع للرشيد موت العباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي المعروف بالنديم وعشيمة الخمارة في يوم واحد فخرج للصلاة عليهم فصفوا بين يديه فقال من الأول فقالوا إبراهيم الموصلي فقال أخروه وقدموا العباس بن الأحنف فقدم وصلى عليه فلما فرغ وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي وقال يا أمير المؤمنين كيف آثرت العباس بالتقديم على من حضر فقال بقوله:
وسعى بها قومٌ وقالوا إنهّا ... لهي التي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهّم ... إني ليعجبني المحبُّ الجاحد
ثم قال أتحفظهما قلت نعم قال أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقديم فقلت بلى والله يا أمير المؤمنين.