FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

من المدينة العراق

Original text Public domain

Read with the dictionary

وفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بالجبل المخروق، وهو جبل في بيداء من الأرض، وفي صفحة الأعلى ثقب نافذ تخترقه الرياح. ثم رحنا من ذلك الموضع وبتنا بوادي الكروش على غير ماء، ثم أرينا منه وأصبحنا على فيد يوم الأحد وهي حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض يمتد حوله ربض يطيف به سور عتيق البنيان، وهو معمور بسكان من الأعراب، ينتعشون مع الحاج في التجارات والمبايعات وغير ذلك من المرافق، وهناك يترك الحاج بعض زادهم إعداداً للإرمال من الزاد عند انصرافهم، ولهم بها معارف يتركون أزويتهم عندهم. وهذا نصف الطريق من بغداد مكة على المدينة، شرفها الله، أو أقل يسيراً، ومنها الكوفة اثنا عشر يوماً في طريق سهلة طيبة، واليماه فيها بحمد الله موجودة في مصانع كثيرة. ودخل أمير الحاج هذا الموضع المذكور على تعبئة وأهبة ارهاباً للمجتمعين به من الأعراب لئلا يداخلهم الطمع في الحاج، فهم يلحظونهم مستشرفين مكانهم لكنهم لايجدون اليهم سبيلاً، والحمد لله. والماء بهذا الموضع كثير في آبار تمدها عيون تحت الاض، ووحد الحاج فيها مصنعاً قد اجتمع فيه الماء من المطر، فانتزف للحين، وامتلأت أيدي الحاج القرمين من أغنام العرب بالمبايعة المذكورة، فلم يبق مضرب ولا خيمة ولا ظلالة الا و جانبها كبش أو كبشان، بحسب القدرة والوجد فعم جميع المحلة غنم العرب. وكان ذلك اليوم عيداً من الأعياد، وكذلك عمتهم أيضاً جمالهم لمن أرد الابتياع منهم من الجمالين وسواهم للاستظهار على الطريق. وأما السمن والعسل واللبن فلم يبق الا من تحمل أو استعمل منها بقدر حاجته.

وأقام الناس يومهم ذلك مريحين بها ظهر يوم الاثنين بعده، ثم أسروا نصف اليل ترتيب سيرهم المذكور قبل، ونزلوا ضحوة يوم الثلاثاء الثامن عشر لمحرم، وهو أول يوم من مايه، بموضع يعرف بالأجفر، وهو مشتهر عندهم بموضع جميل وبثينة العذريين، ثم أقلعنا ظهر يوم الثلاثاء المذكور على العادة ونزلنا بالبيداء مع العشاء الآخرة، ثم أسرينا منها ونزلنا ضحوة يوم الأربعاء بزرود، وهي وهدة في بسيط من الأرض فيها رمال منهالة، وبها حلق كبير داخلة دويرات صغار هو شبيه الحصن، يعرف بهذه الجهات بالقصر. والماء بهذا الموضع في آبار غير عذبة، فنزلنا ضحوة يوم الخميس الموفي عشرين لمحرم،والثالث لمايه، يموضع يعرف بالثعلبية ولها مبنى شبه الحصن خرب لم يبق منه الا الحلق، وبإزائه مصنع كبير الدور من أوسع مايكون من الصهاريج وأعلاها، والمهبط اليه على أدراج كثيرة من ثلاث جهات، وكان يه من ماء المطر ماعم جميع المحلة. ووصل هذا الموضع جمع كثير من العرب رجالاً ونساء واتخذوا به سوقاً عظيمة حفيلة للجمال والكباش والسمن واللبن علف الإبل، فكان يوم سوق نافقة.

وبقي من هذا الموضع الكوفة من المناهل التي تعم جميع المحلة ثلاثة: أحدها زبالة، والثاني واقصة، والثالث منهل من ماء الفرات على مقربة من الكوفة. وبين هذه المناهل مياه موجودة لكنها لاتعم، وهذه الثلاثة المذكورة هي التي تعم الناس والإبل وهي التي تردها رفهاً. وفي هذا المنهل الذي للثعلبية شاهدنا من غلبة الناس على الماء أمراً هائلاً لايكاد يشاهد مثله في تغلب المدن والحصون بالقتال. وحسبك أن مات في ذلك الموضع ضغطاً بشدة الزحام وغطاً تحت الماء بالأقدام سبعة رجال بادروا لمورد الماء فحصلوا على مورد الفناء، رحمهم الله، وغفرلهم.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account