ثم أقلعنا من ذلك الموضع إثر صلاة الظهر من يوم الخميس، بطن مر، وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية. وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرررة وعيون، ومنه تجلب الفواكه مكة، حرسها الله، فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب، وذلك أن الملكة خاتون بيت الأمير مسعود ملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم، وهي احدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج، مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمينين، والموجه كل عام من قبل الخليفة، وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد، وخاتون هذه اعظم الخواتين قدراً، بسبب سعة مملكة أبيها. والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مر ليلة الجمعة مكة في خاصة من خدمها وحشمها، فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور، فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف، وأقام بالناس منتظراً لها. فوصلت عتمة يوم السبت، وأجليت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون، وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون، فمنهم من يقول: أنها انصرفت أنفة لبعض مانتقدته على الأميرر، ومنهم من قال: أن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها المثابة المكرمة، ولايعلم الغيب الا الله. وكيفما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها، وأطلق سبيل الحاج، ولله الحمد على ذلك.
وأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود، كما ذكرناه، وهو في بسطة من ملكه واتساع من أمرته، على ماحقق عندنا، أكثر من مئة الف فاررس، وصهره عليها نور الدين صاحب آمد وماسواها؛ ويركب له أيضاً نحو اثني عشر الف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج: منها سقي الماء للسبيل، عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة، ومثلها للزاد، واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المئة بعير. وأمورررها يطول مصفها، وسنها نحو خمسة وعشرين عاماً.
ولخاتون الثانية، أم عز الدين صاحب الموصل، زوج قطب الدين بن اتابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام، رحمه الله، ولهذه أفعال كثيررة من البر. وخاتون الثالثة ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلاد خراسان، وهي أيضاً كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في أفعال البر. وشأنهن جمع عجيب جداً فيما هن بسبيله من الخيل والاحتفال في الأبهة الملوكية.
ثم اقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين الذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان، ثم اسرينا اليها نصف الليل وصبحناها بكررة يوم الأحد. وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبارر معينة تنسب لعثمان، ررضي الله عنه، وشجر المقل فيها كثيرر، وبها حصن عتيق البنيان، ذو أبراج مشيدة غير معمور، قد أثر فيه القد، وأوهته قلة العمارة ولزوم الخراب. فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.
فلما كان اثر صلاة الظهر أقلعنا خليص، فوصلناها عشي النهار. وهي أيضاً في بسيط من الأررض، كثيرة حدائق النخل، لها جبل فيه حصن مشيد في قنته. وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب. وبها عين فوارة قد أحدثت لها أخاديد في الأرض مسربة يستقى منها على أفواه كالآباررر، يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط المتصل، والله يغيث بلاده وعباده. وأصبح الناس بها مقيمين يوم الأثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء. وبهذه المحلة العراقية ومن انضاف اليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات هندسي غريب. ولسائر الامراء الواصلين صحبة هذا الأمير مضارب دون ذلك لكنها على تلك الصفة، وقباب بديعة المنظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المنصوبة، مايطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الأحوال وعظيم الإنخراق في المكاسب والأموال.