FluentPlex

The Travels of Ibn Jubayr

جمال الدين وآثاره السنية

Original text Public domain

Read with the dictionary

وكانوا أيضاً يتحدثون بكثرة نعمها في هذا العام، ولين سعرها، وأنها خارقة للعوائد السالفة عندهم. كان سوم الحنطة أربعة اصواع بدينار مؤمني، وهي أو بتان من كيل مصر وجهاتها، والأوبتان قد حان ونصف قدح من الكيل المغربي. وهذا السعر في بدل لاضيعة فيه ولاقوام معيشة لأهله الا بالميرة المجلوبة اليه سعر لاخفاء بيمنه وبركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام وانجلاب الناس اليها وترادفهم عليها. فحدثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة أنهم لم يروا هذا الجمع بها قط، ولا سمع بمثله فيها. والله يجعله جمعً مرحوماً معصوماً بمنه.

ومازال الناس فيها يسلسلون أوصاف أحوالها في هذه السنة وتمييزها عما سلف من السنين، حتى لقد زعموا أن ماء زمزم المبارك زاد عذوبة ولم يكن قبل بصادقها.

وهذا الماء المبارك في أمره عجب، وذلك أنك تشربه عند خروجه من قرارته، فتجده في حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئاً، وتلك فيه من الله تع آية وعناية، وبركته أشهر من أن تحتاج لوصف واصف، وهو لما شرب له كما قال، صلى الله عليه وسلم الله وسلم، أروى الله منه كل ظامئ اليه، بعزته وكرمه.

ومن الأمور المجربة في هذا الماء المبارك أن الإنسان ربما وجد مس الإعياء وفتور الأعضاء اما من كثرة الطواف أو من عمرة يعتمرها على قدميه أو من غير ذلك من الأسباب المؤدية تعب البدن، فيصب من ذلك الماء على بدنه فيجد الراحة والنشاط لحينه ويذهب عنه ماكان أصابه.

شهر جمادى الآخرة

استهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الحادي والعشرون من شهر شتنبر العجمي، ونحن بالحرم المقدس، زاده تعظيماً وتشريفاً. وفي صبيحة الليلة المذكورة وافى الأمير مكثر باتباعه وأشياعه، على العادة السالفة المذكورة في الشهر الاول، وعلى ذلك الرسم بعينه، والزمزمي المغرد بثنائه والدعاء له فوق قبة زمزم، يرفع عقيرته بالدعاء والثناء عند كل شوط يطوفه الأمير، والقراء أمامه، أن فرغ من طوافه، وأخذ في طريق انصرافه.

ولأهل هذه الجهات المشرقية كلها سيرة حسنة، عند مستهل كل شهر من شهور العام يتصافحون وينهئ بعضهم بعضاً ويتغافرون ويدعو بعضهم لبعض، كفعلهم في الأعياد، هكذا دائماً. وتلك طريقة من الخير واقعة في النفوس، تجدد الإخلاص وتستمد الرحمة من الله، عز وجل، بمصافحة المؤمنين بعضهم بعضاً وبركة مايتهادونه من الدعاء. والجماعة رحمة، ودعاؤهم من الله بمكان.

جمال الدين وآثاره السنية؟

ولهذه البلدة المباركة حمامان: أحدهما ينسب للفقيه الميانشي، أحد الأشياخ المحلقين بالحرم المكرم، والثاني، وهو الأكبر، ينسب لجمال الدين، وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين، له، رحمة الله، بمكة والمدينة، شرفهما الله، من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله المشيدة مالم يسبقه أحمد اليه فيما سلف من الزمان ولا أكابر الخلفاء فضلاً عن الوزراء.

وكان، رحمه الله، وزير صاحب الموصل، تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم الله تع وحرم رسوله،صلى الله عليه وسلم، أكثر من خمس عشرة سنة، ولم يزل فيها باذلاً أموالاً لاتحصى في بناء رباع بمكة مسبلة في طرق الخير والبر، مؤيدة، محبسة، واختطاط صهاريج للماء، ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر، تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين.

وكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء عرفات وقاطع عليه العرب بني شعبة، سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء، بوظيفة من المال كبيرة على أن لايقطعوا الماء عن الحاج، فلما توفي الرجل، رحمه الله عليه، عادوا عادتهم الذميمة من قطعه.

ومن مفاخره ومناقبه أيضاً أنه جعل مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، تحت سورين عتيقين أنفق فيهما أموالاً لاتحصى كثرة. ومن أعجب ما وفقه الله تع اليه أنه جدد أبواب الحرم كلها.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account