وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامراً ما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك خراسانية وموالي الخلفاء قصيرة، فقد صار التركي إلى الجميع راجعاً، وصار شرفه إلى شرفهم زائداً.
وإذا عرف سائر ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، وانقطع سبب الاستثقال؛ فلم يبقى إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة وفي المجاورة.
على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر، أفشى وأعم من البعداء.
ولخوف التخاذل ولحب التناصر، والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في البوادي إلى بعضٍ، ينزلون معاً ويظعنون معاً. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ابن عمه أكثر. ومن اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها الغوائل، وطلب انقطاعها وزوالها. ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثيرٌ.
وليس يجوز أن تصفو الدنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتى يموت جميع الخلائق، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب كنت كتبته أيام المعتصم بالله، رضي الله عنه، فلم يصل إليه، لأسبابٍ يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت أن يكون كتاباً قصداً، ومذهباً عدلاً، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين. وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيد، وبنى أساسه على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق.
وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثراً وأحسنها ذكراً: أن يكون المديح صدقا، وللظاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لائقا، حتى لا يكون من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه.
وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب أحزم، وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأن ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع، وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع.
ولكل نصيب من النقض، ومقدار من الذنوب؛ وإنما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلة المساوى. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع المساوئ دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف.
وقد قال النابغة:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ،أيُّ الرجال المهذب
وقال حر يش السعدي:
أخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلوَّن ألواناً على خطوبها
إذا عبت منه خلة فتركته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها
وقال بشار:
إذا كنت في كلِّ الأمور معاتباً ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرةً ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظميت وأيُّ الناس تصفو مشاربه
وقال مطيع بن إياسٍ الَّليثيّ:
ولئن كنت لا تصاحب إلا ... صاحباً لا تزل، ما عاش، نعله
لم تجده ولو جهدت وأنَّى ... بالذي لا يكون يوجد مثله
إنما صاحبي الذي يغفر الذَّن ... ب ويكفيه من أخيه أقله
وقال محمد بن سعيد، وهو رجلٌ من الجند:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلتِ
فتىً غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مُظهر الشكوى إذا النعل زلتِ
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت