فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعه على هذه الصفة، كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى.
وقد ظنّ ناسٌ أنّ أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في الصورة والخط والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على حسب ما توهمه؛ ألا ترى أنّ اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والهجاء اسم الجند،فإن المعنى فيهما ليس ببعيدٍ؛ لأنهم يرجعون إلى معنىً واحد وعمل واحد. والذي إليه يرجعون طاعة الخلفاء، وتأييد السلطان.
وإذا كان المولى منقولاً إلى العرب في أكثر المعاني، ومجعولاً منهم في عامة الأسباب، لم يكن ذلك بأعجب ممن جعل الخال والداً، والحليف من الصميم، وابن الأخت من القوم.
وقد جعل ابن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوباً إلى أمه.
وقد جعلوا إسماعيل وهو ابن عجميين عربياً؛ لأن الله تعالى فتق لهاته بالعربية المبينة على غير التلقين والترتيب، ثم فطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوِّ والتقدير، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، وركبه اختراعاً على ذلك التركيب، وسوَّاه تلك التسوية، وصاغه تلك الصياغة، ثم حباه من طبائعهم، ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهمهم على أكرمها وأمكنها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهاناً على رسالته، ودليلاً على نبوته؛ فكان أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب.
وكما جُعل إبراهيم أباً لمن لم يلده، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، والمولى عربيٌ من جهة المدعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأن زيداً لم يخلق من نجل عمرو إلا عهاراً لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنه لم يخلق من صلبه.
وكما جعل النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه أمهات المؤمنين وهن لم يلدنهم ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم " ، على قوله: " ملة أبيكم إبراهيم " . وجعل المرأة من جهة الرضاع أماً، وجعل امرأة البعل أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والداً، وجعل العم أباً في كتاب الله. وهم عبيده لا يتقلبون إلا فيما قَّلبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربياً ومن شاء عجمياً، ومن شاء قرشيَّاً، ومن شاء زنجياً؛ كما له أن يجعل من شاء ذكراً ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن شاء أفرده من ذلك فجعله لا ذكراً ولا أنثى ولا خنثى.
وكذلك خلق الملائكة وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. وخلق أدم فلم يجعل له أباً ولا أماً، وخلقه من طينٍ ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم وجعلها له زوجاً وسكنا. وخلق عيسى من غير ذكرٍ ونسبه إلى أمه التي خلقه منها. وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير نطفة. وخلق السماء من دخان، والأرض من الماء، وخلق إسحاق من عاقرٍ. وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صغير، وعلم سليمان منطق الطير، وكلام النمل، وعلم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس. والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بلسان أهل الجنة على غير الترتيب والتنزيل، والتعليم على طول الأيام والترقيم والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق إسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟!.
وهذه المسألة ربما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على القحطاني أشد. فأما جواب العدناني فسلس النظام سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله مثل هذه الأعجوبة.
وما الذي قسم الله - عز اسمه - بين الناس من ذلك، إلا كما صنع في طينة الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتاً، وبعضه ذهباً، وبعضه نحاساً، وبعضه رصاصاً، وبعضه حديداً، وبعضه تراباً، وبعضه فخاراً. وكذلك الزاج، والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار، والتوتيا، والنوشادر، والمرقشيثا، والمغناطيس.
ومن يحصي عدد أجزاء الأرض،وأصناف الفلز؟!.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولى، والمولى عربيٌّ فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي واحداً.