FluentPlex

The Epistles

إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود

Özgün metin Public domain

Sözlükle oku

وقد عرفتم تحاكم العرب في الجاهلية في النُّفورة، وفي غير ذلك من المخايرة والمشاورة، إلى أبي جهل بن هشام في أيَّام حداثته وفتائه؛ ولذلك أدخلوه دار الندوة، ودفع مع ذوي الأسنان والحنكة من بين جميع الشُّبَّان، ومن بين جميع الفتيان.

ولذلك قال قُطبة بن سيَّار حكيم فزارة حين تنافر إليه عامر بن الطُّفيل وعلقمة بن عُلاثة: عليكم بالحديد الذِّهن، الحديث السِّنّ. يعني أبا جهل.

فهذا كلُّه دليلٌ واضح، وبرهان بيِّن.

ولعل قائلاً أن يقول: إنما الفضل في خشونة الملبس؛ وليس ذلك لمن مدحت، ولا هذه صفة من وصفت.

وهذا بابٌ - أبقاك الله - قد يغلظ فيه العاقل ما لم يكن بارعاً، والفطن ما لم يكن ثاقباً، والأريب ما لم يكن كاملاً. ولو كان الفضل والرِّياسة والقدر والنَّباهة على قدر قشف الجلدة وبذاذة الهيئة، وكثرة الصَّوم، وإيثار الوحْشة والسياحة لكان عثمان بن مظعونٍ متقدِّماً لأبي بكر الصديق رضوان الله عليه، ولكان بلال بن رباحٍ غامراً لعثمان بن عفان رضي الله عنهما.

وقد قال ابن شهابٍ الزُّهري: ليس الناسك إلا من غلب الحرام صبره، والحلال شكره.

فهذا ما حضرنا من القول، وأمكننا من الاحتجاج. وما أشكُّ أنَّ من خبر أمرك أكثر من اختباري كان عنده أكثر من علمي. وعلى أنَّ منظرك - أسعدك الله - يُغني عن المخبر، والفراسة فيك تكفي مؤونة التجربة لك. وقد تقيَّلت بحمد الله أخلاق شيخك، واحتذيت على مثالهكما احتذى على مثال من كان قبله. ولو لم يتعقَّبوا أمرك، ويتصفَّحوا سيرتك في نفسك ثم في خاصَّتك وعامَّتك، لكان في صدق الفراسة وظهور المحبّة ما تقضي به النفوس، ويستدلُّ به المجرِّب.

وظنُّ العاقل كيقين غيره.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنك لن تنتفع بعقله حتَّى تنتفع بظنِّه.

وقال أوس بن حجر:

الألمعي الذي يظن لك الظَّ ... ن كأنْ قد رأى وقد سمعا

وقال وهو يمدح ابن كلدة بصدق الحسِّ، وصواب الحدْس، وجودة الظن:

أريبٌ أديب أخو مأزقٍ ... نقاباً يخبٍّر بالغائب

وقال آخر يمدح بمثل ذلك عبد الملك بن مروان:

رأيت أبا الوليد غداة جمعٍ ... به شيبٌ وما فقد الشَّبابا

ولكن تحت ذاك الشَّيب حزمٌ ... إذا ما ظنَّ أمرض أو أصابا

وقال الله تبارك وتعالى: " ولقد صَدَّق عليهم إبليس ظنَّه " . وقال: " إنَّ بعض الظّنَّ إثم " . وفي ذكره البعض دليلٌ على أنَّ سائر ذلك صواب وطاعة.

وكان من أسباب دفْعي إليك هذا الكتاب - أبقاك الله - دون أبي عبد الله أكرمه الله، أنكما قد تجريان في بعض الأمور مجرىً واحداً، ولأنك وإنْ كنت كثير الشُّغل فهو أقلُّ فراغاً منك على كثرة شُغلك، وفرط عنايتك بما استكفاك واسرعاك. وإنْ جعلت لي قسماً من وقت فراغك،ونصيباً من ساعة نشاطك. رجوت أن يصير إلى ما أمَّلناه عندك من الإنعام عليّ، والاسترهان لشكري؛ فإنَّ العرب لم تعظِّم شيئاً قطُّ كتعظيمها موقع الإنعام والشكر والأحدوثة الحسنة، والذكر والتمييز، والاستمداد للنعم، والكفر حائل بين العّوْد والبدْء.

قال عنترة:

نِّبيت بشراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثةٌ لنفس المنعم

وقال السِّنديُّ:

فلم أُجز بُالحسنى وعادت مشاربي ... بلاقع يقروها الحمام المُقرقرُ

تبدَّلت بالإحسان سوءاً وربما ... تنكَّر للمعروف من كان يكفر

ويدل على حبِّهم للثناء وجميل الذكر قول الأسديّ:

فإني أحبُّ الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم

وقال:

فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بمسعاتنا إنَّ الثناء هو الخلد

وقال الغنويّ:

فإذابلغتم أهلكم فتحدَّثوا ... إنَّ الحديث مهالكٌ وخلود

فجعلوا الذكر بالجميل مثل الخلود في النعيم.

وعلى هذا المعنى قال في درك الثأر:

فقتلاً بتقتيل وعقراً كعقركم ... جزاء العطاس لا يموت من اثّأر

وقال حكيم الفرس حين بلغه موت الإسكندر، وهو قاتل دارا بن دارا: ما ظننت أنَّ قاتل دارا يموت! وهذا القول هو أمدح منه لقاتله. ولم أسمع للعجم كلمةً قطُّ أمدح منها. فأما العرب فقد أصبت لهم من هذا الضرب كلاماً كثيراً.

Anlamını görmek için bu sayfadaki herhangi bir kelimenin üzerine gelin

Ücretsiz bir hesapla kütüphanedeki herhangi bir kelimenin üzerine gelerek anlamını görün, sesli okunuşunu dinleyin, kelimeleri hafızanıza göre zamanlanan tekrarlar için kaydedin ve her kitabın ne kadarını zaten bildiğinizi görün.

Ücretsiz hesap oluştur