FluentPlex

The Epistles

إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

وقد دللتك على ناسٍ يجمعون لك الخصال التي فيها دوام لذّتك، وتمام شهوتك؛ فإن زعمت أن الذي يثبت روح دندن في بدنه، وروح القاسم في جسمه، سرورهما بما قد احتجنا من كنوز الخلافة وأموال الرعيَّة، وليس ذلك من رسوخ أرواحهما في أبدانهما، ومن شدة الاحتجان وقوة الاكتناز، ففرَّق بينهما وبين تلك الأموال التي تمسك أرواحهما بالحيل اللطيفة، والتدبير النافذ، وبأن تمضي فيهما حكم الكتاب والسنّة؛ فإنه سيحلُّ عقدة أرواحهما عقداً عقداً، فيعظم أجرك، ويطيب ذكرك، وتطيع الخليفة وتتحبَّب به إلى الأمة؛ فتكون قد أحسنت في صرف الضَّرب إلى أهله، وأرحت منه غير أهله.

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

الرسالة السادسة

رسالة في نفي التشبيه

إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود

بسم الله الرحمن الرحيم

أطال الله بقاءك وحفظك، وأتمَّ نعمته عليك، وكرامته لك.

قد عرفت - أكرمك الله - ما كان الناس فيه من القول بالتشبيه والتعاون عليه والمعاداة فيه، وما كان في ذلك من الإثم الكبير والفرْية الفاحشة، وما كان لأهله من الجماعات الكثيرة والقوة الظاهرة، والسلطان المكين، مع تقليد العوامِّ وميل السَّفلة والطَّغام.

وليست للخاصة قوّة بالعامة، ولا للعيلة قوة على الأراذل؛ فقد قالت الأوائل فيهم، وفي الاستعاذة بالله منهم: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نعوذ بالله من قومٍ إذا اجتمعوا لم يُملكوا، وإذا تفرقوا لم يُعرفوا.

وقال واصل بن عطاء: " ما اجتمعوا إلا ضَرُّوا، ولا تفرَّقوا إلا نفعوا " فقيل له: قد عرفنا مضرّة الاجتماع، فما منفعة الافتراق؟ قال: يرجع الطَّيَّان إلى تطيينه، والحائك إلى حياكته، والملاح إلى ملاحته، والصَّائغ إلى صياغته، وكلُّ إنسانٍ إلى صناعته. وكلُّ ذلك مرفقٌ للمسلمين، ومعونة للمحتاجين.

وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا نظر إلى الطَّغام والحَشْو قال: " قبح الله هذه الوجوه، لا تُعرف إلا عند الشرّ " .

وقال الخُرَيميّ عند ذكره إياهم، في شعره، بالتَّعاوي مع المخلوع:

من البواري تراسُها ومن ال ... خُوص إذا استلأمتْ مغافرها

لا الرِّزق تبغي ولا العطاء ولا ... يحشرها بالفناء حاشرُها

وقال شبيب بن شبيبة: قاربوا هذه السَّفلة وباعدوها، وكونوا معها وفارقوها، واعلموا أنَّ الغلبة لمن كانت معه، وأنَّ المقهور من صارت عليه.

وقد وصفهم بعض العلماء فقال: يجتمعون من حيث يفترقون، ويفترقون من حيث يجتمعون، لا يُفلُّ غربهم إذا صالوا، ولا تنجع فيهم الحيلة إذا هاجموا.

والعوامُّ - أبقاك الله - إذا كانت نشراً فأمْرُها أيسر، ومُدّة هيجها أقصر. فإذا كان لها رئيسٌ حاذق ومُطاع مدبِّر، وإمام مقلَّد، فعند ذلك ينقطع الطَّمع، ويموت الحقّ ويُقتل المُحقّ. فلولا أنَّ لهم متكلِّمين، وقُصّاصاً متفقِّهين، وقوماً قد باينوهم في المعرفة بعض المباينة، لم يلحقوا بالخاصّة، ولا بأهل المعرفة التَّامَّة. ولكنا كما نخالفهم نرجوهم، وكما نُشفق منهم نطمع فيهم.

ثم قد علمت ما كنا فيه من إسقاط شهادات الموحِّدين وإخافة علماء المتكلِّمين. ولولا الكلام لم يَقُم لله دين، ولم نبنْ من الملحدين، ولم يكن بين الباطل والحقّ فرق، ولا بين النبي والمتنبِّي فصل، ولا بانت الحُجة من الحيلة، والدليل من الشُّبهة.

ثم لصناعة الكلام مع ذلك فضيلةٌ على كلِّ صناعة، ومزيّةٌ على كل أدب. ولذلك جعلوا الكلام عياراً على كلِّ نظر، وزماماً على كلِّ قياس. وإنما جعلوا له الأمور وخصُّوه بالفضيلة لحاجة كلِّ عالم إليه، وعدم استغنائه عنه.

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit