وإنما صارت - أبقاك الله - أجزاء النفس وأعضاء الجسد مع كثرة عددها، واختلاف أخلاطها، وتباعد أماكنها، نفساً واحدة وجسداً واحدا، لاستواء الخواطر، ولاتّفاقها على الإرادة. فأنت وصديقك الموافق، وخليلك ذو الشكل المطابق، مستويان في المحابّ، متفقان في الهوى، متشاكلان في الشَّهوة؛ وتعاونكما كتعاون جوارح أحدكما، وتسالمكما كتسالم المتَّفق من طبائعكما. فإذا بان منك صديقك فقد بان منك شطرك، وإذا اعتل خليلك فقد اعتلَّ نصفك، بل النفوس المضمّنة كالمعاني المضمَّنة، فذهاب بعضها هو ذهاب جميعها. فموتي هو موت صديقي، وحياتي هي حياة صديقي. فلا تبعدنَّه من قلبك بعد بدنه من بدنك؛ فقد يقرُب البغيض وينأى الحبيب. ولعلَّ بعض طبائعك المخالط لروحك، أن يكون أعدى من كل عدو، وأقطع من كل سيف، وأخوف عليك من الأسد الضاري، ومن المّ الساري.
ثم اعلم أنَّ الموثق بمودته قليل، وقد صار اليوم المعتمد عليه في صحَّة العقدة، وفي كرم الغيب والعشرة، عنقاء مُغْرِبٍ. ولا أعلم الكبريت الأحمر إلا أوجد منه. وإني لأظنُّ القناعة أكثر منه. وما أكثر من جعل انقطاع سببه وضعف طمعه لانقطاع سببه قناعةً.
وقيل ليحيى بن خالد: أي شيء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمّة البعيدة بالعيش الدُّون، وصديقٌ قليل الآفات كثير الإمتناع، شكور النفس، يصيب مواضع المدح.
لا والله إنْ تعرف على ظهرها موضعاً للسرّ، ولا مكاناً للشكوى، ولا روحاً تأنس بها، ولا نفساً تسكن إليها. ولو أردت أن تعرّفني من جميع العالمين رجلاً لما قدرت على أحدٍ يحتمل الغنى. ومحتمل الفقر قليل، ومحتمل الغنى عديم.
إن الخير - أبقاك الله - في ايام كثرته كان قليلاً فما ظنُّك به في ايام قلَّته، وإن الشرَّ في أيام قلّته كان كثيراً فما ظنك به في أيام كثرته، وأنت غريبٌ في المصطنعين. وأنا غريبٌ في الصنائع، والغريب للغريب نسيب، ونسب المشاكلة وقرابة الطبيعة الموافقة، أقرب من نسب الرحم؛ لأن الأرحام مولعةٌ بالتحاسد، لهجة بالتقاطع، وأن التحابَّ على طبع المشاكلة. والتلاقي على وفاقٍ من الطبيعة، أبعد من التفاسد، وأبعد من التعادي. وسبب التعادي عرض في طبائع الغرباء، وجوهرٌ في طبائع الأقرباء.
واعلم أنك لا تزال في وحشة إلى وحشة، وفي غربة إلى غربة، وفي تنكُّر العيش وتسخُّط الحال، حتى تجد من تشكو إليه بثَّك، وتُفضي إليه بذات نفسك. ومتى رأيت عجباً لم تضحك رؤيتك له بقدر ما يضحك إخبارك إياه. فمن أغلب عليك ممن كانت هذه حاله منك، وموقعه من نفسك.
ولو أن شيبتي التي بها استعطفتك، وكبرة سنيّ التي بها استرحمتك، اللتان لم يحدثا عليَّ وأنا في ذراك، ولم يُحلاَّ بي إلا وأنا في ظلِّك، لكان في شفاعة الكبرة، واسترحام الضَّعف والوهْنة، ما يردعك عني أشدَّ الردع، ويؤثر في طباعك أبين الأثر. فكيف وقد أكرمتني جديداً، ثم تريد أن تهينني خلقاً، وقوَّيت عظمي أغلظ ما كان، ثم تريد أن توهنه أرقَّ ما كان. وهل هرمت إلا في طاعتك، وهل أخلقني إلا معاناة خدمتك!.
قال علي بن أبي طالب: رأي الشَّيخ الضَّعيف أحبُّ إلينا من جلد الشاب القوي.
وانا أقول كما قال أخو ثقيف: مودة الأخ التالد وإن أخلق خيرٌ من مودَّة الطارف وإن ظهرتْ بشاشته، وراعتْك جدّته.
وقال عبد الملك بن مروان: رأي الشَّيخ أحبُّ إلينا من مشهد الغلام.
وقال بعضهم: ليس بغائب من شهد رأيه، وليس بفانٍ من بقي أثره.
وما كمَّل العقل ولا وفّر التجربة شيءٌ كنقصان البدن، وكأخْذ الأيام من قوي الأعضاء.
وقال آخر: ما قبّح الرجال شيءٌ كالوكال، ولا أفسد الكريم شيءٌ كحبّ الاستطراف. وخير الناس من أتْبع الغضب مواقع الذنوب، وأتْبع العقاب مواقع الغضب، ولم يُتبع الغضب مواقع الهوى.
ولقد منحتك جلد شبابي كملا، وغرْب نشاطي مقتبلا، وكان لك مهناه، وثمرة قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، وكان لك غنمه وعليَّ غُرمه، وأعطيتك عند إدبار بدني قوّة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، واحتملت دونك وهْن الكبر وإسقام الهرم.