FluentPlex

The Epistles

رسالة في الجد والهزل

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

دعنا الآن فإنك فارغ. إن الله يعلم - وكفى به عليماً، وكفى به شهيداً، وكفى به حفيظاً ووكيلاً، وكفى بجرأة من يعلِّمه ما لا يعلم جُرأةً وترُّضاً، وكفى بحاله عند الله بُعداً ومقتاً - لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيِّز الهلكى، فرأيت أنّ من الخيانة لك ومن اللؤم في معاملتك، أن أفديك بنفسي ميتة، وأن أُريك أنّي قد جُدت لك بأنفس عِلْق والعلق معدوم. ليس أنّ من فداك فقد جُعل فِداك، ولكنَّها نهايةٌ من نهايات التعظيم، ودليل من دلائل الاجتهاد. ومن أعلن الاجتهاد لك واستسرَّ خلاف ذلك فقد نافق وخان، وغشَّ وألام. وأخلقْ بمن أخلَّ بهذه ألا يرعى حقّاً، ولا يرجع إلى صحَّة ولا إلى حقيقة.

ثم أنت لا يشفيك منّي السمُّ المجْهز، ولا السمُّ الساري؛ فإنه أبعد غايةً في التطويل وأبلغ في التعذيب. لا ولا لعاب الأفاعي وداهية الدواهي، فإنه يُعجز الرُّقى ويفوت ذرع الأطباء. لا ولا نار الدُّنيا، بل لا يشفيك من نار الآخرة إلا الجحيم، ولا يشفيك من الجحيم إلا أن أُرى في سوائه وفي أصطمَّة ناره، وفي معظم حريقه، وفي موضع الصَّميم من لهيبه. بل لا تكتفي بذلك دون الدَّرك الأسفل، بل لا يرضيك شيء سوى الهاوية، بل لا ترضى إلا بعذاب آل فرعون، أشد العذاب، بل لا يرضيك إلا عذاب إبليس الذي زيَّن الختْر للعباد، وبثه في البلاد، والذي خطّأ الربّ وعائده وردَّ قوله، وغيَّر عليه تدبيره، ولم يزده إلا شكّاً ولجاجة، وتمادياً وإصراراً. ثم لم يرض من الجدّ في مخالفة أمره، وخلع العذار في شدة الخلاف عليه إلا بأن يحلف على شدة اجتهاده في ذلك بعزّته، فجعل العزّة المانعة من إسخاطه سبيلاً إلى إسخاطه، والقسم الحاجز دون إغضابه وسيلةً إلى إغضابه، حيث قال: " فبعزَّتك لأغوينَّهم أجمعين " .

فعليك عافاك الله بإبليس إن كنت للع تغضب، أو عليك بالأكفاء إنْ كنت لنفسك تتشفَّى.

لا ولكنك استغمرتني واستضعفتني، وجعلتني فرُّوج الرفّاء، وتريد أن تتعلَّم فيَّ معاقبة الأعداء. فإن كنت إلى هذا تذهب فجعفر بن معروف أضعف مني، وعبد الله بن عيسى أسوأ خبراً مني.

سبحان الله، يسلم عليك حيدر الأفشين، ويهلك عليك عمرٌو الجاحظ، ويسعد بك أبعد البعداء ويشقى بك أقرب القرباء. وتتغافل عن مثل الجبال التماساً وحبَّاً للسلامة، وتغلغل إلى المحَّرات طلباً للتعرض وحبَّاً للشر.

ومتى قدرت على عدوّك فلم تجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه، ومتى لم تتغافل عنه تكرُّماً أو تدعه احتقاراً، ومتى اكترثت لكبير وضاق صدرك عن شيء عظيم فهأنذا بين يديك، فكُلْني بخلّ وخردل؛ فوالله إنك لتأكله غثَّاً غير مريء، وخبيثاً غير شهي.

لا والله، لكأنك وقعت على مطمورة، وظفرت برأس خاقان. كنت أظن أن الرشاقة والحلم لا يجتمعان، وأن ظرْف الإنسان وأصالة الرأي لا يفترقان، وأن النَّزق والخفة مقرونان بخفّة البدن، وأن الرَّكانة والأناة مجموعان لصاحب السِّمن، حتى رأيتك فاعتقدت بك خلاف ذلك الرأي، واستبدلت فيك ضدَّ ذلك الظَّنّ. فتركتني حتى إذا نازعت الرجال، وتعرّضت للشَّجي،وشغلت نفسي بثلب الخصام، وانقطعت إلى أصحاب القدود، وجعلت عُدوائي في تقديم القضاف، وطال لساني، وأظهرت الاستبصار في فضلك، وجعلت مزاج أخلاطك هو الحجة، واعتدالك هو النهاية، وطبيعتك هي المشكلة؛ وزعمت ان منظرك يغني عن مخبرك، وأن أوَّلك يُجلّي عن آخرك شددت على شدة المهر الأرن، وتسرعت إلي تسرُّع الغرِّ النَّزق، وألححت عليَّ إلحاح اللَّجوج الحنق. كأنك لم تحفل بما يشيع لك من اسم المتسرع، وبما تضاف إليه من سخف المتترِّع، بعد أن تكذِّب قولي وتفنِّد خبري.

وقد تقدمت التجربة أن الحديد لا يكون حقوداً، وأن المصطنع لا يكون للصنيعة حاسداً، فقصدت على رأسٍ إلى القياس الممتحن فأفسدته، وإلى الطبائع المعتدلة فنقضْتها، وإلى القضايا الصحيحة فرددتها.

وقالوا بأجمعهم: حالان لا تقبلان الحسد، ولا يخلوان من الرَّشد: حال الصَّنيعة لمصطنعه، وحال المولى لمعتقه. فكيف إذا كان الصَّنيعة صديقاً، وكان للخاصّة محتملا.

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا