وكما أنه سواء أن تحتال في ألا يكون لي مالٌ قبل أن أملكه. أو احتلت في ألا يكون بعد أن ملكته.
وكنت لا أدري ما كان وجه حبك لإعناتي، والتشييد بذكر تراثي، والتنويه باسمي، ولا لم زهدتني في طلب الولد، ورغّبتني في سيرة الرهبان.
فإذا أنت لم ترفع ذكري في الأغنياء إلا لتعرض ذنبي للفقراء، ولم تكثر مالي إلا لتقوِّي العلة في قتلي، فيالها مكيدة ما أبعد غورها، ويالها حفرةً ما أبعد قعرها. لقد جمع هذا التدبير لطافة الشخص ودقة المسلك، وبُعد الغاية.
والله لو دبّرها الإسكندر على دارا بن دارا، أو استخرجها المهلَّب على سفيان بن الأبرد، وفتحت على هرثمة في مكيدة خازم بن خزيمة، ولو دبَّرها لقيم بن لقمان على لقمان بن عاد، ولو أراغها قيس بن زهير على حصن بن حذيقة، ولو توجهت لكهَّان بني أسد على دُهاة قريش لقد كان ذلك من تدبيرهم نادراً بديعاً، ولكان في مكايدهم شاذّاً غريباً. وإنها لترتفع عن قصيرٍ في كيد الزباء، وعن جذيمة في مشاورة قصير. وما إخالها إلا ستدقُّ على ابن العاص، وتغمض على ابن هند، ويكل عنها أخو ثقيف، ويستسلم لها ابن سمية.
هذا والله التدبير لا مخاريق العرَّاف، وتزاويق الكاهن، وتهاويل الحاوي، ولا ما ينتحلها صاحب الرَّئيّ؛ بل تضلُّ فيها رُقي الهند، وتقرُّ بها سحرة بابل.
فلو كنت إذ أردت ما أردت، وحاولت ما حاولت، رفعت قبل كل شيءٍ المؤانسة، ثم أبيت المؤاكلة، ثم قطعت البر، ثم أذنت مع العامة، ثم أعملت الحرمان، ثم صرحت بالجفوة، ثم أمرت بالحجاب، ثم صرمت الحبل، ثم عاديت واقتصدت، ثم من بعد ذلك كله أسرفت واعتديت، لكنت واحداً ممن يصبر أو يجزع، فلعلي كنت أعيش بالرفق، وأتبلغ بحشاشة النفس، وأعلل نفسي بالطمع الكاذب. ولكن فجاءات الحوادث وبغتات البلاء لا يقوم لها الحجر القاسي، ولا الجبل الراسي. فلم تدع غايةً في صرف ما بين طبقات التعذيب إلا أتيت عليها، ولا فضول ما بين قواصم الظهر إلا بلغتها. فقد متُّ الآن فمع من تعيش؟ بل قد قتلتني فمن الآن تعاشر!، كما قال ديوست المغنِّي لكسرى حين أمر بقتله لقتله تلميذه بلهبذ: قتلت أنا بلهبذ، وتقتلني، فمن يطربك؟ قال: خلُّوا سبيله؛ فإن الذي بقي من عمره هو الذي أنطقه بهذه الحجة.
ولكني أقول: قد قتلتني فمع من تعيش؟ أمع الشطر نجيِّين؟! فقد قال جالينوس: إياك والاستمتاع بشيء لا يعمُّ نفعه.
إن الكلام إنما صار أفضل من الصمت؛ لأن نفع الصمت لا يكاد يعدو الصَّامت، ونفع الكلام يعمُّ القائل والسامع، والغائب والشاهد، والراهن والغابر.
وقالوا: ومما يدل من فضل الكلام على الصمت، أنك بالكلام تخبر عن الصمت وفضله، ولا تخبر بالصمت عن فضل الكلام. ولو كان الصمت أفضل لكانت الرسالة صمتاً، ولكان عدم القرآن أفضل من القرآن.
وقد فرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضَّل وميَّز وحصَّل، حيث قال: " رحم الله امرأً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم " . فجعل حظَّ السكوت السلامة وحدها، وجعل حظَّ القول الجمع بين الغنيمة والسلامة. وقد يسلم من لا يغنم، ولا يغنم إلا من سلم.
فأما الدواب فمن يضع المركب الكريم إلى الصاحب الكريم؟ ومن يعدل إمتناع بهيمة بإمتناع أديب.
قالت ابنة النعمان: لم نر فيما جربنا من جميع الأصناف أبلغ في خير وشرٍّ من صاحب.
ولما عزم ابن زياد على الحُقنة بعد أن كان تفحشها قال له حارثة بن بدر: ما أجد أولى بتولي ذلك من الطبيب. قال عبيد الله: كلا، فأين الصاحب.
والله أن لو نتجت في كل عام ألف شبديز، وأحبلت في كل ليلة أربعة آلاف ربرب، وصار لك كل نهر المبارك بدلاً من بعض بابك.وأكلت رأس الجنيد بن حاق الأشيم، وأحبلت ابن ألغز من إفراط الشبق، لما كان ينبغي لك أن تعاملنا بهذه المعاملة، ولا كان ينبغي أن تقتلنا هذه القتلة، ولو اقتصرت من العقوبة على شيء دون شيء لكان أعدل، ولو عفوت البتة لكان أمثل.
إنَّ الاعتزام على قليل العقاب يدعو إلى كثيره، ومبتدئ العقاب بعرض لجاج. وليس يعاقب إلا غضبان.
والغضب يغلب العزم على قدر ما مكن، ويحيّر اللب بقدر ما سُلِّط.
والغضب يصوّر لصاحبه مثل ما يصوّر السكر لأهله.