FluentPlex

The Epistles

رسالة الحنين إلى الأوطان

Original text Public domain

Read with the dictionary

وقال آخر: لا تجفُ أرضاً بها قوا بلك، ولا تشكُ بلداً فيه قبائلك.

وقال أصحاب القيافة في الاسترواح: إذا أحسَّت النفس بمولدها تفتَّحتْ مسامُّها فعرفت النَّسيم.

وقال آخر: يحنُّ اللبيب إلى وطنه، كما يحنُّ النَّجيبُ إلى عطنه.

وقال: كما أنَّ لحاضنتك حقَّ لبنها، كذلك لأرضك حرمة وطنها.

وذكر أعرابيٌّ بلدةً فقال: رملةٌ كنت جنين رُكامها، ورضيع غمامها، فحضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.

وشبَّهت الحكماء الغريب باليتيم اللَّطيم الذي ثكل أبويه، فلا أُمَّ ترأمه، ولا أبَ يحدب عليه.

وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنسَ نصيبك من الذلّ.

وقال الشاعر:

لعمري لرهطُ المرء خيرٌ بقيَّةً ... عليه وإن عالوْا به كلَّ مركبِ

إذا كنت في قومٍ عدىً لست منهم ... فكُلْ ما عُلفت من خبيثٍ وطيِّبِ

وفي المثل: " أوضحُ من مرآة الغريبة " . وذلك أن المرأة إذا كانت هديّاً في غير أهلها، تتفقَّد من وجهها وهيئتها ما لا تتفقَّده وهي في قومها وأقاربها، فتكون مرآتها مجلوَّةً تتعهَّد بها أمر نفسها. وقال ذو الرمّة:

لها أُذنٌ حشْرٌ وذفرى أسيلةٌ ... وخدٌّ كمرآة الغريبة أسجحُ

وكانت العرب إذا غزتْ وسافرتْ حملتْ معها من تُربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه عند نزْلةٍ أو زكام أو صُداع. وأُنشد لبعض بني ضبَّة:

نسير على علمٍ بكُنه مسيرنا ... وعُدّةِ زاد في بقايا المزاودِ

ونحمل في الأسفار ماء قبيصةٍ ... من المنشأ النائي لحبِّ المراودِ

وقال آخر: أرضُ الرَّجل أوضحُ نسبه، وأهله أحضر نشبه.

وقيل لأعرابيٍّ: كيف تصنع في البادية إذا اشتدَّ القيظُ وانتعل كلُّ شيء ظلَّه؟ قال: وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحُدنا ميلاً فيرفضُّ عرقاً، ثم ينصب عصاه ويلقى عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الرِّيح، فكأنَّه في إيوان كسرى!.

وقيل لأعرابيٍّ: ما أصبركم على البدو؟ قال: كيف لا يصبر من وطاؤه الأرض، وغطاؤه السماء، وطعامه الشَّمس، وشرابه الريح! والله لقد خرجنا في إثر قومٍ قد تقدَّمونا بمراحل ونحن حُفاة، والشَّمس في قُلَّة السماء، حيث انتعل كلُّ شيءٍ ظلَّه، وأنَّهم لأسوأُ حالاً منّا، إنّ مهادهم للعفر، وإنَّ وسادهم للحجر، وإنّ شعارهم للهواء، وإنّ دثارهم للخواء.

وحدّثني التوّزيُّ عن رجلٍ من عُرينة قال حدّثني رجلٌ من بني هاشمٍ قال: قلتُ لأعرابي من بني أسد: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: وأين تسكن منها؟ قال: مساقط الحمى حمى ضريّة، بها لعمر الله ما نُريد بدلاً، ولا نبغي عنها حولا، أمّا الفلوات، فلا يملوْلح ماؤها، ولا يحمى ترابها، ولا يُعمر جنابها، ليس فيها أذىً ولا قذىً، ولا أنينٌ ولا حُمَّى؛ فنحن بأرفه عيشٍ وأرفع نعمْة! قلت: فما طعامكم فيها؟ قال: بخٍ بخ! عيشُنا والله عيشٌ تعلَّل جادبه، وطعامنا أطيب طعامٍ وأهنؤه: الهبيد والضِّباب واليرابيع، والقنافذ والحيَّات، وربَّما والله أكلْنا القدّ، واشتوينا الجلْد، فلا نعلم أحداً أخصب منّا عيشاً، فالحمد لله على ما بسط من السَّعة، ورزق من الدَّعة، أو ما سمعت قول قائلنا وكان والله عالماً بلذيذ العيش:

إذا ما أصبنا كلَّ يومٍ مُذيقةً ... وخمس تُميراتٍ صغارٍ كنائزِ

فنحن ملوك الأرض خصْباً ونعْمةً ... ونحن أسود الغاب عند الهزاهزِ

وكم متمنٍّ عيْشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به حقَّ فائزِ

ولهذا خبر طويلٌ وصف فيه نُوقاً أضلَّها، واقتصرنا منه على ما وصف من قناعته بوطنه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account