قال الهاشميّ: فلمَّا فرغ من نعته قلت له: هل لك في الغذاء؟ قال: إنيّ والله غاوي إغباب، لاصقُ القلب بالحجاب، مالي عهدٌ بمضاغٍ إلا شلو يربوع وجد معمعمةً منِّي فانسلت، فأخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامَّائه وراهطائه، ثم تنفَّقتُه فأخرجته، ولا والله ما فرجتُ بشيءٍ فرحى به، فتلقَّاني رُويعٍ ببطن الخرْجاء، يُوقد نُويرةً تخبو طوراً وتسمو أخرى، فدسسته في إرته فخمدت نُويرتُه، ولا والله ما بلغ نُضجه حتَّى اختلس الرُّويعي منه، فغلبني على رأسه وجوْشه، وصدره وبدنه، وبقي بيدي رجلاه ووركاه، وفقرتان من صُلبه، فكان ذلك ممَّا أنعم الله به عليَّ، فاغتبقتُها على نكْظٍ مُنْكظ، وبوْصٍ بائص عن عراكه إيّاي، غير أنَّ الله أعانني عليه. فلذلك والله عهدي بالطّعام، وإني لذو حاجةٍ إلى غذاء أنوِّه به فؤادي، وأشُدُّ به آدى، فقد والله بلغ مني المجهود، وأدرك منيّ المجلود.
يصف هذا البؤس والجهد، ويتحَّمل هذه الفاقة، ويصبر على الفقر، قناعةً بوطنه، وحبّاً لعطنه، واعتداداً بما وصف من رفاغة عيشه.
وحدَّثنا سليمان بن معبد، أنَّ الوليد بن عبد الملك أراد أن يُرسل خيله، فجاء أعرابيٌّ له بفرسٍ أُنثى، فسأله أن يُدخلها مع خيله، فقال الوليد لقهرمانة أُسيْلم بن الأحنف: كيف تراها يا أسيلم؟ فقال يا أمير المؤمنين، حجازيّة، لو ضمَّها مضمارك ذهبت. قال الأعرابي: أنت والله منقوص الاسم، أعوج اسم الأب! فأمر الوليد بإدخال فرسه، فلمَّا أُجريت الخيلُ سبق الأعرابيُّ على فرسه، فقال الوليد: أواهبُها لي أنت يا أعرابيّ؟ فقال: لا والله، إنّها لقديمةُ الصُّحبة، ولها حقٌّ ولكن أحملك على مُهرٍ لها سبق عاماً أوّل وهو رابضٌ. فضحك الوليدُ وقال: أعرابيٌّ مجنون! فقال: وما يضحككم؟ سبقتْ أمُّه عاماً أوّل وهو في بطنها! فاستظرفه واحتبسه عنده فمرض، فبعث إليه الوليد بالأطباء، فأنشأ يقول:
جاء الأطبَّاء من حمصٍ تخالهم ... من جهلهم أن أُداوى كالمجانينِ
قال الأطبَّاء: ما يشْفيك؟ قلت لهم ... شمُّ الدُّخانِ من التسرير يشفيني
إنِّي أحنُّ إلى أدخان مُحتطبٍ ... من الجُنينة جزلٍ غير موزونِ
فأمر الوليد أن يُحمل إليه من رمثٍ سليخة، فوافوه وقد مات.
فهو عند الخليفة، وببلدٍ ليس في الأقاليم أريفُ منه، ولا أخصبُ جناباً، فحنَّ إلى سليخة رمثٍ، وحبّاً للوطن.
وحكى أبو عبد الله الجعفري عن عبد الله بن إسحاق الجعفريّ قال: أمرتُ بصهريجٍ لي في بستانٍ، عليه نخلٌ مُطلٌّ أن يُملأ، فذهبت بأمِّ الحسام المرّيّة وابنتها - وهي زوجتي - فلمَّا نظرتْ أمُّ الحسام إلى الصِّهريج قعدتْ عليه وأرسلتْ رجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطُوفين معنا على هذا النَّخل، لنجني ما طاب من ثمره؟ فقالت: ها هنا أعجبُ إليّ. فدُرنا ساعةً وتركناها، ثم انصرفنا وهي تُخضخض رجليها في الماء وتحرِّك شفتيها، فقلت: يا أمّ الحسام، لا أحسبك إلا وقد قلت شعراً. قالت: أجل. ثم أنشدتني:
أقول لأدنى صاحبيَّ أُسرُّه ... وللعين دمعٌ يحدر الكُحل ساكبُه
لعمري لنهيٌ باللِّوى نازح القذى ... نقيُّ النواحي غير طرْق مشاربُه
بأجرع ممراعٍ كأنَّ رياضه ... سخاب من الكافور والمسك شائبُه
أحبُّ إلينا من صهاريج مُلِّئت ... للعبٍ فلم تملُح لديّ ملاعنُه
فيا حبّذا نجدٌ وطيبُ ترابه ... إذا هضبته بالعشيِّ هواضبُه
وريح صبا نجدٍ إذا ما تنسمَّتْ ... ضحىً أوسرت جُنح الظلام جنائبُه
وأنشد أبو النصر الأسديّ:
أحبُّ الأرض تسكنُها سليمى ... وإن كانت توارثها الجُدوبُ
وما دهري بحبِّ تراب أرضٍ ... ولكن من يحلُّ بها حبيبُ
وأنشدني حمَّاد بن إسحاق الموصلي:
أحبُّ بلاد الله ما بين صارةٍ ... إلى غطفان إذ يصوب سحابُها
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ... وأول أرضٍ مسَّ جلدي ترابُها
قال: ولمّا حُملت نائلة بنت الفرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفّان رضي الله عنه، كرهت فراق أهلها، فقالت لضبّ أخيها: