FluentPlex

The Epistles

رسالة الحنين إلى الأوطان

Original text Public domain

Read with the dictionary

وقالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك؛ لأن غذاءك منهما، وغذاءهما منه.

وقال آخر: احفظ بلداً رشّحك غذاؤه، وارع حمىً أكنّك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك إليه بلدٌ رضعت ماءه، وطعمت غذاءه.

وكان يقال: أرض الرجل ظئره، وداره مهده. والغريب النائي عن بلده، المتنحّي عن أهله، كالثور النادِّ عن وطنه، الذي هو لكلِّ رامٍ قنيصة.

وقال آخر: الكريم يحنُّ إلى جنابه، كما يحنُّ الأسد إلى غابه.

وقال آخر: الجالي عن مسقط رأسه ومحلِّ رضاعه، كالعير الناشط عن بلده، الذي هو لكل سبعٍ قنيصة، ولكل رامٍ دريئة.

وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، كما تغرس الولادة في القلب رقَّةً وحفاوة.

وقال آخر: أحقُّ البلدان بنزاعك إليه بلدٌ أمصَّك حلب رضاعه.

وقال آخر: إذا كان الطائر يحنُّ إلى أوكاره، فالإنسان أحقُّ بالحنين إلى أوطانه.

وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرِّعاية، والرِّعاية من الرَّحمة، والرَّحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرَّشدة، وطهارة الرَّشدة من كرم المحتد.

وقال آخر: ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.

وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يُسرك في غربتك.

وأنشد:

لقربُ الدار في الإقتار خيرٌ ... من العيش الموسَّع في اغترابِ

وقال آخر: الغريب كالغرس الذي زايل أرضه، فقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٌ لا ينضر.

وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونةٌ بحبِّ الوطن.

ولذلك قال بُقراط: يُداوى كلُّ عليلٍ بعقاقير أرضه؛ فإنَّ الطبيعة تتطلَّع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.

وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها.

وقال جالينُوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه، كما تنبت الحبة ببلِّ القطْر.

والقول في حبِّ الناس الوطن وافتخارهم بالمحالِّ قد سبق، فوجدنا الناس بأوطانهم أقنع منهم بأرزاقهم.

ولذلك قال ابن الزُّبير: " لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبدٌ الرِّزق " .

وترى الأعراب تحنُّ إلى البلد الجدْب، والمحلِّ القفر، والحجر الصَّلْد، وتستوخم الرِّيف، حتَّى قال بعضهم:

أتجلين في الجالين أم تتصبَّري ... على ضيق عيشٍ والكريمُ صبورُ

فبالمصر بُرغوثٌ وحُمّى وحصْبةٌ ... ومُوم وطاعونٌ وكلُّ شُرورُ

وبالبيد جوعٌ لا يزالُ كأنَّه ... رُكامٌ بأطراف الإكام يمورُ

وترى الخضريَّ يُولد بأرض وبقاءٍ وموتانٍ وقلَّة خِصْب، فإذا وقع ببلادٍ أريف من بلاده، وجنابٍ أخصب من جنابه، واستفاد غنىً، حنَّ إلى وطنه ومستقرِّه.

ولو جمعنا أخبار العرب وأشعارها في هذا المعنى لطال اقتصاصُه، ولكن توخَّينا تدوين أحسن ما سنح من أخبارهم وأشعاهم، وبالله التوفيق.

ومما يؤكِّد ما قلنا في حبِّ الأوْطان قول الله عزّ وجلّ حين ذكر الدِّيار يُخْبر عن مواقعها من قلوب عباده فقال: " لو أنّا كتبْنا عليهمْ أن اقْتلوا أنْفُسكُمْ أو اخْرجُوا من دياركم ما فعلوه إلاَّ قليلٌ منهم " ، فسوَّى بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال تعالى: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا " .

وقال عمر رضي الله عنه: " عَمَّر الله البُلدان بحبِّ الأوطان " .

وكان يقال: لولا حبُّ الناس الأوطان لخسرت البُلدان.

وقال عبد الحميد الكاتب، وذكر الدُّنيا: " نفتنا عن الأوطان، وقطعتنا عن الإخوان " .

وقالت الحكماء: أكرم الخيل أجزعُها من السَّوط، وأكيس الصِّبيان أبغضُهم للكُتَّاب، وأكرم الصَّفايا أشدُّها ولهاً إلى أولادها، وأكرم الإبل أشدُّها حنيناً إلى أوطانها، وأكرم المهارة أشدُّها ملازمةً لأمِّها، وخير الناس آلفُهم للناس.

وقال آخر: من إمارات العاقل برُّه لإخوانه، وحنينه لأوطانه، ومداراته لأهل زمانه.

واعتلَّ أعرابيٌّ في أرض غربة، فقيل له: ما تشتهي؟ فقال: حسْل فلاة، وحسْو قلات.

وسئل آخر فقال: محْضاً رويّاً، وضبّاً مشويّاً.

وسئل آخر فقال: ضبّاً عنيناً أعور.

وقالت العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.

وقيل: الغُربة كُربة، والقلّة ذلة. وقال:

لا ترغبوا اخوتي في غربة أبداً ... إنّ الغريب ذليلٌ حيثما كانا

وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقُصك الغُربة، وتضيمك الوحدة.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account