قال: وممّا يهجِّن شأن البغل ويُخبر عن إبطائه عند الحاجة إلى سُرعته، أنّ القائد الشُّجاع، والرئيس المُطاع، إذا أراد أن يُعلم أصحابه أنه لا يفرُّ، حتى يفتح الله عليه أو يقتل، ركب بغلاً. ولذلك قال الشاعر:
إذا ركب الأُسوار بغلاً وبغلةً ... لدى الحرْبِ والهيْجاء قدْ شُبَّ نارها
فذاك دليلٌ لا يُخيل، وعزْمةٌ ... على الصَّبْرِ حتَّى يُسْتبانَ بشارُها
وذو الصَّبر أوْلاهُم بكُلِّ سلامةٍ ... وبالصّبْرِ يبْدو عقبها وعيارُها
وذهب إلى قول أبي بكر، رضي الله عنه، لخالد بن الوليد: " احرص على الموت تُوهب لك الحياة " .
يقول: إذا صبرتم ولم تفرّوا، هزمتم العدو، فصار صبركم سبباً لحياتكم.
وحدَّثني نهيك بن أحمد بن نهيك، كاتب عبد الله بن ظاهر، قال: اقتتل أصحاب الأمير عبد الله بن طاهر، وأصحاب نصْر بن شبث يوماً على باب كيسوم، ونصرٌ في آخر القوم جالسٌ على مصلَّى، محتبٍ بحمائل سيفه، وبين يديه بغل مُسْرج مجلل، والله ما أدري أكان الجُلّ تحت اللِّبْد، أم كان فوق السَّرج، وشدّ عزيز على أصحاب نصر شدَّةً كشفتْهم، حتى جاوزوا مكان نصر، وصار عزيز بحذاء نصر، ونصرٌ جالس؛ فلما رأى ذلك وثب وثبةً فإذا هو على ظهر البغل، وقال: مكانك يا عزيز! أتبلغ إلى موضعي، وتطأ حريمي؟! ثم شدَّ نحوه على بغله، وعزيز على برذونٍ، فعزف - والله - عزيزٌ عنه، وعزيز يومئذ فارس العسكر غير مدافع.
نقد تشبيه البغل بالكلب
وأنشدوا في البغل:
أردْت مديح البغْل يا شيْخ مذْحجٍ ... فجئت بشيْءٍ صيَّر البغل كالكلبِ
وحسبك لُؤماً بالكلاب ودقّةً ... وقدْ ثمَّنُوا شرواه شأْواً من التُّرْبِ
لأن في الحديث: إنَّ دية الكلب زبيلٌ من تراب، حقّ على القاتل أن يفعله، وحقَّ على صاحب الكلب أن يقبله.
تم الكتاب بعون الله تعالى ومنّه.
يتلوه كتاب الحنين إلى الأوطان، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وسلامه.
الرسالة السابعة عشرة
رسالة الحنين إلى الأوطان
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ لكلِّ شيءٍ من العلم، ونوعٍ من الحكمة، وصنفٍ من الأدب، سبباً يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتتاً، ومعنىً يحدو على جمع ما كان منه متفرقاً. ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضمَّ كلِّ جوهرٍ نفيسٍ إلى شكله، وتأليف كلّ نادر من الحكمة إلى مثله بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب، ودرس مستور كلِّ نادر.
ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره. ولذلك قيل: " لا يزال الناس بخيرٍ ما بقي الأول يتعلم منه الأخير " .
وإنَّ السبب الذي بعث على جمع نتفٍ من أخبار العرب في حنينها إلى أوطانها، وشوقها إلى تربها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقَّد النار في أكبادها، أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع إلى الأوطان، فسمعته يذكر أنه اغترب من بلده إلى آخر أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه. ولم يزل عظيم الشأن جليل السلطان، تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانها، ومن شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه إلا راغبٌ إليه، أو راهبٌ منه؛ فكان إذا ذكر التُّربة والوطن حنَّ إليه حنين الإبل إلى أعطانها، وكان كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرت الثَّغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نُهبةً للهماهمِ
حنيناً إلى أرضٍ بها اخضرَّ شاربي ... وحُلَّت بها عنِّي عقود التمائمِ
وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حقَّ التقادمِ
وكما قال الآخر:
يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاودِ
وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمى وقد ملّ السُّرى كلُّ واخدِ
وألصق أحشائي بيرد ترابها ... وإن كان مخلوطاً بسم الأساودِ
فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرُّشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها توّاقة.