والفيلة إنما يفتخر بها السُّودان، كالحبشة والهنْد، فأمَّا ملوك العراق فإنما يتّخذون منها بقدر ما يقال إنّ عندهم من كلّ شيء شيئاً. وأيضاً لأنَّ الفيل خلْقٌ عجيب، ومعتبر لمن فكَّر. وكلّ شيء عجيبٍ فهو أبعث على التَّفكير من غيره.
حديث إنزاء الحمير على الخيل
ولما روى المدائنيّ والواقديّ وغيرهما، أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لمّا استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم في إنزاء الحمير على الخيل، قال: " إنمّا يفعل ذلك اللَّذين لا يعْلمون " . قال قوم: جاء الحديث عامّاً في ذكر الخيل، ولم يخُصّ العتاق دون البراذين؛ لأنّ اسم الخيل واقع عليهما جميعاً، قال الله سبحانه: " والخيْلَ والبغالَ والحْمير لترْكبُوها " ، أفتظنُّون أنه ذكر إنعامه عليهم بما خوَّلهم من المراكب، فذكر البغال والحمير وترك البراذين؟ فأما أبو إسحاق فإنه قال: هذا الحديث مختلفٌ فيه، وله أسانيد طوال، ورجالٌ ليسوا بمشهورين من الفقهاء بحمل صحيح الحديث. ويجوز أن ينهى عن إنزاء الحمير على الحجور والرِّماك جميعاً، فإن جلب جالب ذلك النِّتاج جاز بيعه وابتياعه، وملْكه وعتقه. وخصاؤه في الأصل حرام.
وقد أهدى المُقوقس عظيم القبْط إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم خصيَّاً؛ وكان هذا الخصيّ أخا مارية أمّ إبراهيم ابن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقبل هديَّته، وأرسل إليه ببغلة من نتاج ما بين حجْر وعيْر، وليس في هذين الكلام، إنما الكلام في الإخصاء وحده، والإنزاء وحده في أصل العمل، فإما إذا ما تمّ الأمر بينهما، فإن بيعهما وابتياعهما حلال.
قال: ولا نترك قولاً عامّاً قاله الله تعالى في كتابه ونصَّه، لحديثٍ لا ندري كيف هو، وقد قال الله جلّ وعزّ، وهو يريد إذْكار الناس نعمهُ السابغة، وأياديه المجلِّلة حين عدَّد عليهم، فقال: " والخيل والبغال والحمير لترْكبوها " ؛ فمن أين جاز لنا أن نخصَّ شيئاً دون شيء.
باب ما جاء في الكوادن
قال الشاعر:
جُنادفٌ لاحقٌ بالرَّأس منْكبُهُ ... كأنَّه كوْدنٌ يُوشي بكُلاَّبِ
وكلّ غليظٍ بعيد من العنق فهو كودن، قال ابن قميئة:
يسرٌ يطْعمُ الأرامل إذْ قلص درُّ اللِّقاح في الصِّنَّبْرِ
ورأيْت اْلإماء كالجعْثن البا ... لي عُكُوفاً على قُرارة قدْرِ
ورأيْت الدُّخان كالكوْدنِ الأصْحم ينْباعُ منْ وراء السِّتْرِ
حاضرٌ شرُّكم وخيركم د ... رُّ خروسٍ من الأرانب بكرِ
وفي ذمّ البغال يقول عرهم بن قيس الأسديّ:
إنَّ المذرع لا تغني خئولته ... كالبغل يعجز عن شوط المضامير
وقال الفرزدق:
سوى أنَّ أعراف الكوادن منقراً ... قبيلة سوءٍ بار في الناس سوقها
وإنما قالت حميدة بنت النعمان بن بشير لزوجها روح بن زنباع:
وهل أنا إلا مهرةٌ عربيةٌ ... سليلةُ أفراسٍ تجلَّلها بغل
فإن نتجت مهراً كريماً فبالحرى ... وإن يكُ إقرافٌ فمن قِبَلِ الفحلِ
فوضعت البغل في موضعه. فقال روح:
رضى الأشياخ بالفطيون بعلاً ... وترغب في المناكح عن جذامِ
يهوديٌّ له بضع الجواري ... فقبحاً للكهول وللغلامِ
وقال الآخر:
وما كثرت بنو أسدٍ فتخشى ... لكثرتهم ولا طاب القليل
قبيلةٌ تذبذب في معدٍّ ... أنوفهم أذلُّ من المسيل
تمنَّى أن تكون أخا قريشٍ ... شحيج البغل ملتمس الصهيل
وقال زيادٌ الأعجم:
ألم ترَ أنَّ البغل يتبع إلفه ... كما عامرٌ واللؤم مؤتلفان
وقال الكميت:
وما حملوا الحمير على عتاقٍ ... مطهَّمةٍ فيلفوا مبغلينا
وما سموا بأبرهة اغتباطاً ... بشرِّ ختونةٍ متزيِّنينا
باب ذكر ركوب نساء الأشراف البغال
قال: لما أهديت ابنة عبد الله بن جعفر إلى يزيد بن معاوية على بغلة، قال يزيد:
جاءت بها دهم البغال وشهبها ... مسيَّرةً في جوف قرٍّ مسيَّر
مقابلةٌ بين النبيِّ محمدٍ ... وبين عليٍّ والجواد ابن جعفر
منافيةٌ غراءُ جادت بودها ... لعبد منافيٍّ أغرُّ مشهر
وقال ابن أبي ربيعة: