وإنما قال الأمير، لأن سليمان كان يومئذٍ وليّ عهد.
وقد غلط من زعم أنهم كانوا وضعوا قدّام سليمان جديا، وإنما كان يأكل ملوكهم الحملان، لأنها هناك أطيب ويسمّونها: " العماريس " .
ولما قدم عبد الملك بالكوفة، وضعوا بين يديه جدياً، قال: فهلا جعلتموه عمروساً؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، تلك عماريس الشام؛ فأما العراق فجداؤها أطيب وأكرم.
وتفاخر ناس بكبر الأيور، وشيخٌ جالسٌ لا يخوض معهم؛ فلما أكثروا قال الشيخ: لو كان كبر الأيور مجداً كان البغل من بني هاشم! وشهد مزبِّد المديني عند قاضي المدينة بشهادة؛ وكان ذلك القاضي مفرط الحدة، شديد البطش، سريع الطيرة، فقال له القاضي: أعليَّ تجترئ وعندي تشهد؟! جرَّا برجليه وألقياه تحت البغلة! فلما أمعنا به نحو البغلة، التفت إلى القاضي فقال: أصلحك الله، كيف خلقها؟ فضحك وخلّى سبيله.
وكان نميلة بن عكاشة النميري متكايساً؛ فدخل دار بلال بن أبي بردة، فرأى ثوراً مجللاً، فقال: سبحان الله! ما أفرهها من بغلة لولا أنّ حوافرها مشقوقة! قالوا: ورأى الطائف باليل شخصاً عظيما قد اخنس عنه، فشدّ نحوه، فإذا حمدوية المخنَّث قد جلس كأنه يخرأ، ولم يكن خراء، وكان قد جلس على روث؛ فقال له: أنت أيَّ شيء تصنع ها هنا هذه الساعة؟ قال: خرجت أخرأ. فنظروا فإذا تحته روثة، قالوا: مالك، صرت بغلاً؟ قال: هذا زيادة عليكم، كل إنسان يخرأ ما يشاء! قال أبو الحسن: نظر جحا إلى رجل بين يديه يسير على بغلة،فقال للرجل: الطريق يا حمصيّ! فقال الرجل: ما يدريك أني حمصيّ؟ قال: رأيت حر بغلتك، فإذا هو يشبه الحاء، ورأيت فقحتها فرأيتها تشبه الميم، ورأيت ذنبها فإذا هو يشبه الصاد، فقلت: إنك حمصيّ! قالوا: وابتاع عبّاديٌّ بغلاً، فمّر بالحيّ، فقالوا: بارك الله لك! قال: لا تقولوا هكذا. فكيف نقول؟ قال: قولوا: لا بارك الله لك فيه! قالوا: سبحان الله! أيقول هذا أحدٌ لأحدٍ له فيه رأي؟ قال: قولوا كما أقول لكم! قالوا:لا بارك الله لك فيه! قال: وقولوا: وأعضّك ببظر أمك! قالوا:نعم، قال: إن أنا أعرتكموه أبداً! وهذا يشبه حديث سندية الطحانة، وكانت تطحن بالنهار، وتؤدي الغلّة وتخدم أهلهاباليل، فانكسفت الشمس يوماً، فقالت لها مولاتها: اذهبي يا شهدة، أنت حرة لوجه الله! قالت: أليس قد صرت حرة! ثم عدت من بين يديها، فقامت على باب الدار رافعةً صوتها تقول: من قال لي زانية فهي زانية، من قال لي لصة فهي لصة، من قال لي قوّادة فهي قوّادة. هاتي الآن رحى لك! وأخبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، قال: وقف الهيثم بن مطهر الفأفاء على باب الخيزران ينتظر رجلا يخرج من عندها، فبعث إليه عمر الكلوذانيّ: قد نهينا أن نجعل ظهور دوابنا مجالس، فانزل عن ظهر دابتك؛ فالأرض أحمل لثقلك. فقال للرسول: إني أنتظر رجلا قد حان خروجه، فبعث إليه: أن انزل عن دابتك، فإذا خرج صاحبك فاركب والحق به. فقال للرسول: أعلمه أني أعرج، وأنا مع هذا رجل مثقل باللحم، ولا آمن أن يسبقني الرجل سبقاً بعيداً، فلا ألحقه. فرد الرسول، فقال: يقول لك: إنْ أنت نزلت، وإلاّ أنزلناك صاغراً. فقال الهيْثم: قُلْ له: إن كنت إنّما تنظر للبغل، فهو حبيسٌ في سبيل الله؛ إنْ أنزلتني عنه، إنْ أقضمته حبَّة شعيرٍ شهراً، فسلْه الآن: أيُّما أحبُّ إليه: ركوبي له ساعةً، أو حرْمان الشعير شهراً! فلما جاءته الرسالة قال: ويْلكم! هذا شيطان! دعوه في لعنة الله.
قال: ونظر إليه جعفر والفضل ابنا يحيى، وهو واقف في ظلّ قصر من قصور الشَّمَّاسيَّة، فنظر إلى شيخ عجيب الخلْقة، وإذا تحته بغلٌ أعجف، يكاد يسقط هُزالاً وضعفا؛ فقالا له: يا شيخ، لولا تعالج بغلك هذا حتّى يعود سميناً فارهاً في أيَّامٍ يسيرة، بأيسر مئونة؟ قال: بأيِّ شيء أُعالجه؟ قال: تأخذ عشرة أمْناء مسْك وعنْبر، وتعجنها بعشرة أمْناءٍ من بان الغالية، وتطْليه به طليةً واحدة. فتجافي عن سرجه فولَّى وجوههما ظهره، ثم ضرط ضرطةً صُلْبة؛ قالا: ما هذا؟ قال: هذا لكما على الصِّفة، ولو قد أنجع الدَّواء خرينا عليكم!.
وحدَّثونا عن هشام بن حسّان، عن محمّد بن سيرين، قال: كان رجلٌ عيّاب، فأبصر بغلةً تحت شريح، فقال: أبا أميَّة، إنَّ بغلتك لفارهة! قال: إنها إذا ربضتْ لم تقمْ حتى تُبْعث. قال: لا خير فيها إذنْ!.