FluentPlex

The Epistles

كتاب ذم أخلاق الكتاب

Texte original Public domain

Lire avec le dictionnaire

أراك تُراعُ حين ترى خيالي ... فما هذا يروعُك من خيالي

لعلك خائف منِّي سؤالاً ... ألا فلك الأمان من السُّؤال

كفيتُك إنَّ حالك لم تمل بي ... لأطلب مثلها بدلاً بحالي

وإنَّ العُسْر مثل اليسر عندي ... بأيِّهما مُنيت فما أُبالي

فلما قرأ يحيى بن خاقان رُقْعته ووثق بأمانه من السُّؤال أذن له، فخرج الحاجب فوجده قد انصرف، ولم يَعُدْ إليه، ولا التقيا بعد ذلك.

وجلس الجاحظ يوماً في بعض الدواوين، فتأمَّل الكتَّاب فقال: خلقٌ حلوة، وشمائل معشوقة، وتظرُّف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزَّبد يذْهب جُفاءً، وكنْبتة الربيع يُحرقها الهيْف من الرياح؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقةٍ، ولا يدينون بحقيقةٍ؛ أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون.

ثم وصف أصحاب الصناعات، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم، وتعصُّب رجالها على غيرهم فقال: لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجْرون في ذلك إلى غاية محمودة، ويأتون منه آيةً مذكورة، إلا الكُتَّاب، فإنَّ أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله، ويسترجح رأيه إذا بلغ في نكاية رجلٍ من أهل صناعته.

ثم ضرب لهم في ذلك مثلاً، ثم قال: هم كالهرمة من الكلاب في مرابضها، يمرُّ بها أصناف الناس فلا تحرَّكُ، وإن مرَّ كلبٌ مثلها نهضت إليه بأجمعها حتّى تقتله.

وحدّثني عُمر بن سيف، أنه حضر مجلس أبي عبّاد ثابت بن يحيى يوماً في منزله، وعنده جماعة من الكتاب، فذكر ما هم عليه من ملائم الأخلاق ومدانس الأفعال، قال: ووصف تقاطعهم عند الاحتياج، وعدم تعاطفهم عند الاختلال، وزُهدهم في المواصلة فقال: معاشر الكتاب، ما أعلم أهل صناعة أملأ لقلوب العامَّة منكم، ولا النعم على قومٍ أظهر منها عليكم. ثم إنَّكم في غاية التقاطع عند الاحتياج، وفي ذروة الزُّهد في التعاطف عند الاختلال. وإنَّه ليبلغني أنَّ رجلاً من القصابين يكون في سُوقه، فيتلف ما في يديه، فيخلَّى له القصَّابون سُوقهم يوماً، ويجعلون له أرباحهم، فيكون بربحها منفرداً، وبالبيع مُفردا، فيسدُّون بذلك خلَّته، ويجبرون منه كسره. وإنكم لتناكرون عند الاجتماع والتعارف، تناكر الضباب والسَّلاحف، ثم مع استحواذكم على صناعتكم، وقلة ملابسة أهل الصناعات لها معكم، لم أر صناعة من الصناعات إلاّ وقد يجمع أهلها غيرها إليها فيعانونها جميعاً، وينزلون لضربٍ من التجارات معاً، إلاّ صناعتكم هذه؛ فإنَّ المتعاطى لها منكم، والمتسمِّي بها من نظرائكم، لا يليق به ملابسةُ سواها، ولا ينساغ له التَّشاغل بغيرها. ثم كأنكم أولاد علاَّتٍ، وضرائر أُمهات، في عداوة بعضكم بعضا، وحنق بعضكم على بعض. أُفٍّ لكم ولأخلاقكم!.

إنَّ للكتّاب طبائع لئيمة، ولولا ذلك لم يكن سائر أهل التجارات والمكاسب بنظرائهم بررةً، ومن ورائهم لهم حفظة، وأنتم لأشكالكم مُذلُّون، ولأهل صنائعكم قالون. قبح الله الذي يقول قضينا في الأمور بالأغلب.

وعرفنا علل الناس في مكاسبهم وتعامُلهم، فمن كانت علَّتُه أكرم كان كرم فعاله أعمَّ.

ولست أعلم علَّةً في مكتسبٍ أنبل عند الخاصَّة من مكسبكم.

ثم وصف من سلف من هذه الطَّبقة يوماً فقال: كتب سالمٌ لهشام ابن عبد الملك، وكان أشدَّ الناس غلطاً، وأضعفهم رأياً، وكان هشامٌ يُحضره فيسمع من ضعفه ويستميحه الرأي، يهزأ به.

ثم كتب لهم مسْعدة وكان مؤدِّباً، وكانت ضعْفة المؤدِّبين فيه.

ثم كتب لهم عبدُ الحميد وكان معلِّماً، وبتحامله على نصر بن سيار انتقضت خراسان، وزال ملك بنى مَرْوان.

ثم كتب لبني العباس عبد الله بن المقفَّع، فأغرى بهم عبد الله بن علي، ففُطن له وقُتل وهدم البيت على صاحبه.

ثم كتب لهم يونس بن أبي فروة، وكان زنديقاً، فطلب فاختفى بالكوفة والنِّيل حتَّى هلك.

واستكتب الرشيد أزدانقاذار على ديوان الخراج، وكان ثنويّاً.

ثم لم ينوِّهوا بذكر كاتبٍ حتّى ولى المأمون، فقدم معه ابن أبى العباس الطُّوسى، فبه انتشرت السِّعاية بالعراق.

واستكتب أبا عبّاد، وكان بالرَّى مؤدِّباً، وكان سخيفاً حديداً، ولم يزل بمكانه في ديوانه قيمّا لابن أبي خالد الأحول والاسم له.

Survolez n’importe quel mot de cette page pour voir son sens

Avec un compte gratuit, survolez n’importe quel mot de la bibliothèque pour voir son sens, écoutez-le lu à voix haute, enregistrez des mots pour des révisions calées sur votre mémoire, et voyez quelle part de chaque livre vous connaissez déjà.

Créer un compte gratuit