الهداية في الحمام لا تكون إلا في الخضر والنمر منها، وأما الشديد السواد فكالزنجي القليل المعرفة. والأبيض ضعيف القوة. وإذا خرج الجوزل عن بيضته علم أبواه أن حلقه لا يتسع للغذاء، فلا يكون لهما هم إلا أن ينفخا في حلقه الريح لتتسع حوصلته بعد التحامها، ثم يعلمان أنه لا يحتمل في أول غذائه أن يزق بالطعم فيزقانه باللعاب المختلط بقواهما وقوى الطعم ويسمى اللبأ. ثم يعلمان أن حوصلته تحتاج إلى دبغ فيأكلان من شورج أصل الحيطان. وهي شيء بين الملح الخالص والتراب، فيزقنه به فإذا علما أنه قد دبغ زقاه الحب الذي قد غب في حواصلهما ثم بالذي هو أطرأ فأطرأ حتى يتعود، فإذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه وبلغا منتهى حاجته إليهما نزع الله تلك الرحمة منهما، وأقيل بهما على طلب نسل آخر. فسبحان من عرف الخلائق وأتقنها وسواها، وجعلها دلالة لمن استدل بها عليه، ومخبراً صادقاً لمن استخبرها عنه. ذلكم الله رب العالمين.
بعضهم: رأيت حمامة ذكراً له انثيان، وقد باضتا منه، فهو يحتضن مع هذه وهذه، ويزق معهما.
الجاحظ: وللحمام من الفضيلة والمفخر أن الواحدة تباع بخمسمائة دينار، ولم يبلغ ذلك شيء من الطير غيره، وهو الهادي الذي جاء من الغابة. قال: ولو دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة. ولو حدث أن برذوناً أو فرساً بلغ خمسمائة دينار لكان سحراً.
وتباع البيضة الواحدة منه بخمسة دنانير، والفرخ بعشرين. فمن كان له زوجان منه قاما في الغلة مقام ضيعة. وأصحابه يبنون من أثمانه الدور الجياد والحوانيت المغلة، هو مع ذلك ملهى عجيب، ومنظر أنيق، ومعتبر لمن فكر.
جهم بن خلف:
وقد هاج شوقي أن تغنت حمامة ... مطوقة ورقاء تصدح في الفجر
هتوف تبكي ساق حر ولن ترى ... لها دمعة يوماً على نحرها تجري
تغنت بصوت فاستجاب لصوتها ... نوائح بالأصناف في فنن السدر
إذا فترت كرت بلحن شج لها ... يهيج للصب الحزين جوى الصدر
دعتهن مطراب العشيات والضحى ... بصوت يهيج المستهام على الذكر
فلم أر ذا وجد يزيد صبابة ... عليها ولا ثكلى تبكي على بكر
فأسعدتها بالنوح حتى كأنها ... نوائح هبت يلتدمن على قبر
بسرة واد من تبالة مونق ... كسا جانبه الطلح واعتم بالزهر
فقلت لقد هجتن صباً متيماً ... حزيناً وما منكن واحدة تدري
أكلت حية بيض مكاء، فجعل المكاء يشرشر على رأسها ويدنو منها، حتى إذا فتحت الحية فاها تريده وهمت به ألقى فيه حسكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت.
كان من دعاء مكحول: يا رازق الغراب في عشه. وذلك أن الغراب إذا فقس عن فراخه فقس عنها بيضاً فينفر عنها، فتفتح أفواهها فيرسل ذباباً تدخل في أفواهها فتكون غذاء لها، حتى إذا اسودت انقطع الذباب وعاد الغراب يغذيها.
أنشد ثعلب:
وصاح بينهم من بطن قو ... من الغربان شحاج حجول
من اللائي لعن بكل أرض ... فليس لهن في أرض قبول
يناصرن النوى فإذا اتلأبت ... ركاب القوم واقلولي الحمول
يبادرن الديار يجلن فيها ... وبئس من المليحات البديل
الحارثي:
أقول وقد صاح ابن دأية غدوة ... بين النوى لا أخطأتك الشبائك
أ في كل يوم رائعي أنت روعة ... ببيونة الأحباب عرسك فارك
ولا بضت في خضراء ما عشت بيضة ... وضاقت برحباها عليك المسالك
تعلم الحبارى أن سلاحها يدبق ريش الصقر، فترميه به، ثم تجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة حتى يموت. وكذلك الحبارى تموت كمداً إذا انحسر عنها ريشها ورأت صويحباتها تطير.
وفي ديوان المنظوم:
وهل للحبارى بعد عشرين ريشة ... تساقطها حمقاً فتتلف بالكمد
مطايرة الشهم الأثيث جناحه ... إذا ساق كدري السماوة فاطرد
وهل يستطيع القرد والقرد ما به ... لضابثه طرف مصاولة الأسد
الطركلة تتسافد بالأستاه. والحجلة تكون في سفالة الريح، واليعقوب في علاوتها، فتلقح كما تلقح النخلة من الفحال بالريح.