الجاحظ: وقد رأيت أنا في عين الفيل صحة الفهم والتأمل، وما شبهت نظره إلا بنظر ملك عظيم الكبر راجح الحلم.
وقال سهل بن هارون:
إذا ما رأيت الفيل ينظر قاصداً ... ظننت بأن الفيل يلزمه الفرض
الفيل ضئيل الصوت ليس صوته على قدر جرمه.
وعن جابر الجعفي: رأيت الشعبي خارجاً، فقلت: إلى أين؟ قال: أنظر الفيل. فأتى الحيرة فنظر إليه.
كما يبصبص الكلب بذنبه إذا ألقيت غليه الكسرة كذلك الفيل إذا قدم إليه علفه تمسح وتملق.
ومن أعاجيب الفيل أن سوطه الذي يحث به ويضرب محجن حديد، أحد طرفيه في جبهته والآخر في يد راكبه، فإذا أراد منه شيئاً غمزه في لحمه.
أول شيء يؤدبون به الفيل ويعلمون السجود للملك. خرج كسرى أبرويز لبعض الأعياد، وقد صفوا له ألف فيل، وقد أحدقت به وبها ثلاثون ألف فارس، فلما بصرت به الفيلة سجدت له، فما رفعت رؤوسها حتى جذبت بالمحاجن وراطنها الفيالون.
الفيل يعرق عرقاً غليظاً غير سائل، أطيب رائحة من المسك. وربما وجد الناس في بيوتهم جرذاً أسود يجدون منه ريح المسك. وقيل هو الذي يخبأ الدراهم. ولا تعرض لعرق الفيل تلك الريح إلا في بلاد خاصة.
عظام الفيل كلها عاج، إلا أن جوهر نابه أكرم وأثمن. ولولا شرف العاج وقدره لما فخر الأحنف بن قيس على أهل الكوفة في قوله: نحن أكثر منكم عاجاً وساجاً وديباجاً وخراجاً.
كنية الفيل أبو الحجاج، وكانت كنيته محمود فيل الحبشة أبا العباس.
لسان الفيل صغير بالقياس إليه وقليلاً ما يدلعه.
قال أبو علي بن سيناء: رأيت الفيل نزا على الفيل بجرجانية خوارزم، فألصق نابه بكفلها واستعان به حتى علاها فضربها. ولا عادة للفيل في السفاد في غير بلاده. ومن غريب ما رأيت هناك أن الأسد المجلوبة إليها كانت تتسافد وتلد، وكذلك الفهود.
عنبسة الفيل النحوي سمي بذلك لأن معدان أباه كان يروض فيلاً للحجاج. فلما أنشد عنبسة هجاء جرير للفرزدق قال الفرزدق:
لقد كان في معدان والفيل زاجر ... لعنبسة الراوي علي القصائدا
جرى عليه النبز.
وقيل لغيلان الراجز راكب الفيل، ولسعدوية الطيوري عين الفيل لأن الحجاج كان يحسبهما عليه. فإذا سمي أهل البصرة إنساناً بفيل فصغروه قالوا: فيلويه، كما يجعلون عمراً عمرويه وحمداً حمدويه.
الطرماح في صفة ثور وحش:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد
ابن عرس صعب وحشي لا يكاد يتدرب، وهو مع ذلك يصيد لصاحبه العصافير، يقابل به بيت العصفور فيلج عليه فيأخذه وفراخه ولا يقتله حتى يأخذه منه، ولا يزال كذلك ولو طاف به على ألف جحر.
القنفذ وابن عرس إذا ناهشا الأفاعي والحيات تعالجا بأكل السعتر البري.
الكركدنة تكون نزوراً، وأيام حملها كأيام حمل الفيلة، ولذلك قل هذا الجنس. وما من حيوان إلا وهو ناقص عند غايته النقص الفاحش.
وتزعم الهند أنه إذا كان ببلاد لم يدع فيها شيئاً من الحيوان حتى يكون بينه وبينه مائة فرسخ من جميع جهات الأرض هيبة له وهرباً منه. ويسمى الحمار الهندي. وله قرن واحد في وسط جبهته. ويزعمون انه يخرج رأسه من بطن أمه فيأكل من أطراف الشجر، فإذا شبع أدخل رأسه. ويزعمون أنه ربما نطح الفيل فرفعه بقرنه، فلا يشعر بمكانه حتى يتقطع على الأيام.
قالوا في قرن الكركدن إن غلظه يبلغ شبرين، وليس بطويل جداً، وهو محدد الرأس شديد الملاسة في مدمج صلب لا يمتنع عليه شيء. وإذا قطعوه ظهرت في مقاطعه صور عجيبة.
إذا اجتمع في الفيل أن يكون وحشياً ومغتلماً لم يقم له شيء. إلا الكركدن، وإنه ليهجم عليه فيحجم عنه حتى تذهب عنه سكرة الغلمة فلا يطور طواره ولا يحل بأداني أرضه.
في أعلى بلاد النوبة تجتمع السباع والوحوش والدواب الكثيرة، وذلك في حمارة القيظ إلى شرائع المياه فيتسافدن، فمن ذلك الزرافة وهي اشتركا وفلفل وقيل هي ولد النمر من الجمل ابن عرس أشد عداوة للفأر من السنور. والشاة أشد فرقاً من الذئب منها من الأسد والنمر والببر، مع كون هؤلاء أقوى عليها. والحمام أفرق من الشاهين منه من الصقر والبازي.