فيا نهشاً بأنياب وفرساً ... تحلم عنده العبس الجياع
الأسد لا يثب على الإنسان للعداوة ولكن للطعم، ولو مر به وهو شبعان لم يعرض له.
الفهد أنوم الخلق، وأما الكلب فنومه نعاس، ونومة الفهد مصمت. قال حميد بن ثور:
ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظة ... أكلت طعاماً دونه وهو جائع
ويقال إن السباع تشتهي ريحه وتستدل بريحه على مكانه، وتعجب بصوته فتصغي إليه إصغاء شديداً. وقد علم شهوة الأسد والنمر السباع لريحه فلا يكون على علاوة الريح. وإذا اصطيد مسناً كان أنفع في الصيد لأهله من الجرو الذي يربونه، لأن الجرو يخرج خباً، ويخرج المسن على التأديب صيوداً غير خب ولا مواكل.
وقصد العامة أن الفهود مسخ اليهود، والصبيان يصيحون بالفهد يا يهودي. والصائد يشد وراءه شداً حتى ينبهر ويحفى فيأخذه. فإذا أخذه غطى عينيه وأدخله في وعاء، ثم أدخله بيتاً مظلماً ووضع عنده مصباحاً، ولا زمة الليل والنهار، ولم يدعه يرى الدنيا، وهيأ شيئاً كظهر الدابة وأخذه بركوبه. وأطعمه بيده حتى يستأنس. وإناث الفهود أصيد، وكذلك إناث عامة الجوارح.
الثعلب يعلم أن تماوته يجوز على الصائد ولا يجوز على الكلاب فإذا أحس بصائد استلقى ونفخ خواصره حتى لا يشك أنه ميت فيجوزه، فإذا أحس بالكلب وثب كأنه البرق، لأن الكلب لا يخفى عليه الميت من المغشي عليه من المتماوت، ولذلك لا يحمل من مات من المجوس إلى الناووس حتى يدني منه كلب فيعمل ما يستدل به على حاله.
وقد يتماوت الكلب، قال بعضهم: رأيت جرواً مهزولاً ضربه الصبيان وعقروه، فتمدد لهم كالميت، فضربوه بأرجلهم فلم يتحرك حتى أيقنوا بالموت فخلوه. فنظرت فإذا هو قد فتح عينيه وتأمل، ثم وثب وهرب.
وسلاح الثعلب سلاحه، وهو أنتن من سلاح الحبارى. فإذا تعرض للقنفذ، ولقيه شوكه واستدار كالكرة صلح عليه، فانسدخ مما يغشى عليه من نتن سلاحه، فعندها يقبض على مراق بطنه.
وإذا كثرت البراغيت في فروة الثعلب تناول ففيه صوفة، ثم يدخل في الماء قليلاً قليلاً. والبراغيث ترتفع إلى أن يغمس خطبه، فتجتمع في الصوفة، ثم يرميها في الماء ويثب إلى الشط.
ربما كانت الأرض ملبسة بالجليد، مغشاة بالثلج، والكلاب العاقل المجرب لا يدري أين مكان الوحش، فلا يزال يتبصر ويتشمم حتى يقف على أفواه الحجرة ويثير الذي فيها.
أبو عبيدة: خرج رجل إلى جبانة بلده مع أخيه وجار له ينتضر الرفاق وتبعه كلب له، فضربه ورماء بحجر فلم ينته، فلما قعد ربض بين يديه، وجاء عدو له يطلب بطائلة، فجرح جراحات، وطرح في بئر قريبة القعر، وحثي عليه التراب، وقد فر أخوه وجاره، والكلب ينبح حوله. ثم أتاه عند انصراف العدو وكشف التراب عن رأسه حتى تنفس، ومر ناس فاستشالوه وأدوه إلى أهله، وسمي الموضع ببئر الكلب، وقيل في ذلك.
يعود عنه جاره وشقيقه ... وينبش عنه كلبه وهو ضاربه
اقتنى رجل جرواً ثم غاب عنه سنة ورجع وهو كلب شاغر، فعرفه وتبصبص حوله، وصاح صبيحة السرور بقدومه. وكان يثب على كل أحد ويتوعده، وقد زجره صاحبه عن صديق له ثلاث مرات، فاستثناه بعد ذلك عن الناس فلم يهر عليه.
الكلبة تحيض في كل سبعة أيام، وأكثر ما تضع اثنا عشر جرواً وذلك في الفرط، والغالب خمسة أو ستة، وربما وضعت واحداً.
ويعيش الكلب في الأكثر أربع عشرة سنة، وربما بلغ عشرين سنة. وللكلب ثلاثة أصناف من المرض: الكلب، والذبحة، والنقرس. ويكنى أبا خالد، قال ابن الرومي:
أ خالد لا تكذب فلست بخالد ... بزعمك بل أنت المكنى بخالد
وللكلب خبر منك لؤمك شاهدي ... عليه وما دهري بإبعاد شاهدي
آخر:
هو الكلب إلا أن فيه ملالة ... وسوء مراعاة وما ذاك في الكلب
كان يقال لمالك بن مسمع ابن قتيل الكلاب لأن أباه مسمع بن سنان لجأ في الردة إلى قوم من عبد القيس، فكان كلبهم ينبح، فخاف أن يدل على مكانه فقتله، فقتل به.
قال بعضهم:
تعدو الذئاب على من كلاب له ... وتتقي مربض المستأسد الحامي
وعن عمر بن أبي ربيعة أنه عرض لبعض الحواج، فلما أرادت الطواف استصحبت أخاً لها فتمثلت به.
يقال: عليه واقية كواقية الكلاب للئيم تطول سلامته، قال دريد ابن الصمة حين ضرب امرأته بالسيف فسلمت: