لما تلا رسول الله والنجم وما هوى قال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم. فقال صلى الله عليه وسلم : سلط الله عليك كلباً من كلابه. فخرج مع أصحابه في عير إلى الشام، حتى إذا كانوا بمكان يقال له الزرقاء زأر الأسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقالوا: من أي شيء ترعد فرائصك؟ فوالله ما نحن وأنت إلا سواء، فقال لهم: إن محمداً دعا علي، ولا والله ما أظلت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، ثم جاء النوم فحاطوا أنفسهم بمتاعهم ووسطوه بينهم وناموا. فجاء الأسد يهمس يستنشي رؤوسهم رجلاً رجلاً حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة كانت إياها. فسمع وهو بآخر رمق يقول: ألم أقل لكم أن محمداً أصدق الناس.
دخل أبو زبيد الطائي على عثمان رضي الله عنه، فقال: من أين؟ فقال: خرجت في صبابة من أفناء قريش وقبائل العرب ذوي سارة حسنة، ترتمي بنا المهاري بأكسائها القيروانات، على فتو البغال عليها العبدان تقود جياد الخيل، نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام. فاخروط بنا السير في حمارة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه، وذبلت الشفاه، وسالت المياه، وأذكت الجوزاء العزاء، وذات الصيهد، وصر الجندب، وضاف العصفور الضب في وجاره، قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في صنوج هذا الوادي، فإذا واد قد بدا عن يميننا، كثير الدغل، دائم الغلل، أشجاره مغنة، وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا في أصول دوحات كنهيلات متهدلات، فأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها بالماء البارد. فأنا لنصف حر يومنا ومصاولته ومطاولته إذ صر أقصى الخيل بأذنيه، وفحص الأرض بيديه، ثم ما لبث أن جال فال، وفعل فعله الذي يليه واحداً إثر واحد، فتضعضعت الخيل وتقهقرت البغال، وتكعكعت الإبل، فمن نافض لشكاله، وناهض بعقاله، فعلمنا أن قد أتينا، وأنه السبع، ففزع كل منا إلى سيفه فاستله من جربانه، ثم وقفنا له رزدقاً، فأقبل يتطالع في مشيته كأنه مجنوب في هجار، لبلاعيمه غطيط، ولصدره نحيط، ولطرفه وميض، ولأرساغه نقيض، كأنه يحبط هشيماً، أو يطأ صريماً. وإذا هامة كالمجن، وخد كالمسن، وعينان سجروان، كأنهما سراجان يتقدان، وكتد مغبط، وزور مفرط وقصرة ربلة، ولهزمة رهلة، وعضد مفتول، وساعد مجدول، وكف خشنة البراثن، إلى مخالب كأنها المحاجن. ثم كشر فأفرج، وزأر فأرهج، ونهم فبربر، ونحط فجرجر، فاستقدم تخال البرق تتطاير من خلال جفونه، من عن شماله ويمينه، فلا وذي بيته في السماء، ما اتقيناه إلا بأخ لنا من فزارة، ضخم الجزارة، فوقصه وقصة مفظعة، فتفضفض متنه، وبقر بطنه، وجعل يلغ في دمه.
فذمرت أصحابي، فبعد لأي ما أجابوا، فهجهجنا به، فكر مقشعراً زئيره، كأن به شيهماً حولياً، فاختلج من دوني رجلاً أعجز ذا حوايا، فنفضه نفضة تزايلت منها الأوصال، فأرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل، وانخزلت المتون، ولصقت البطون وساءت الظنون، هناك ابتلى المؤمنون، ثم قال:
عبوس شموس مصلخد مكابر ... جريء على الأقران للقرن قاهر
براثنه شئن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضا في وجهه الشر ظاهر
يدل بأنياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق عنها خناجر
فقال عثمان: أسكت، أسكت الله نأمتك، فقد خشيت أن يثب علي.
عارض أسد رفقة، فخرج إليه رجل فاختطفه وبرك عليه، فهاجوه ثم قالوا للرجل: ما حالك؟ قال: لا بأس علي، ولكن سلح الأسد في سراويلي.
قد يجيء الأسد إلى قلس السفينة بالليل فيتشبث به، فيحسب الملاحون أنه التف على شجرة أو صخرة، فيذهب المداد ليخلصه، فيتمدد الأسد ويلتصق بالأرض ويغمض عينيه ليخفي وميضهما. فإذا دنا وثب عليه فحطمه، فلا يكون للملاحين هم إلا العبور والفرار.
بنو أسد حراص على أكل الكلاب، وقد أكل أسدي جرو كلب، فقيل له: أ تأكل الكلب وقد قيل فيكم:
إذا أسدي جاع يوماً ببلدة ... وكان سميناً كلبه فهو آكله
فقال:
رضينا بحظ الليث طمعاً وشهوة ... فسائل أخا الحلفاء إن كنت لا تدري
وذلك أن الأسد أحرص شيء على لحم الكلاب. وقيل لا يحرص على أكل الكلاب حباً للحمه، ولكنه يقصد القرية أو الصرم ليتطرف من النعم، فتنبح الكلاب فتهيج الناس، فيحرص عليها حنقاً وغيظاً.
الأسد لا يدنو من النار، ولا يأكل الحار ولا الحامض وكذلك أكثر السباع.