وقيل للفضل: لم تركبه؟ فقال: لأنه أقل الدواب مؤونة، وأكثرها معونة، وأسلمها جماحاً، وأخفضها مهوى، وأقربها مرتقى، يزهى راكبه وقد تواضع، ويدعى مقتصداً وقد أسرف في ثمنه، ولو شاء أبو سيار لركب جملاً مهرياً، أو فرساً عربياً، ولكنه امتطى عيراً أربعين سنة.
وقال خالد: عير من نسل الكداد، أصحر السربال، محملج القوائم، مفتول الأجلاد، يحمل الرجلة، ويبلغ العقبة، يقل داؤه، ويمنعني أن أكون جباراً. ولولا ما في الحمار من المنافع لما امتطاه أبو سيارة أربعين سنة.
فعارضهما أعرابي فقال: الحمار إن أوقفته أدلى، وإن تركته ولى، كثير الروض، قليل الغوث، سريع إلى الفرارة، بطيء في الغارة، لا ترفأ به الدماء، ولا تمهر به النساء، ولا يحلب في الإناء.
وحمار طياب مثل في الضعف والهزال، وكان طياب سقاءً، قد استقى عليه زماناً طويلاً. وكان في جوار أبي علالة المخزومي، فتولع به في شعره، وله فيه:
يا سائلي عن حمار طياب ... ذاك حمار حليف أوصاب
كأنه والذباب تأخذه ... من وجه تيغار دوشاب
وحمار القصار مثل في سوء الحال، يقال: كان يوم فلان كيوم حمار القصار، إن جاع شرب وإن عطش شرب.
حمير مصر لا تخرج البلاد أمثالها، وكان الخلفاء لا يركبون غيرها في دورهم وبساتينهم. وكان المتوكل يصعد في منارة سر من رأى على حمار مريسي، ومريس قرية من قرى مصر، وطول المنارة تسع وتسعون ذراعاً.
حكيم: خذ من الحمار شكره وصبره، ومن الكلب نصحه لأهله، ومن الغراب كتمانه للسفاد.
رأى عبادة تحت مخارق برذوناً يقرمط، فقال: برذونك هذا يمشي على استحياء.
الأقيشر في حماره:
إذا ما انتحى في لجة الماء لم ترم ... قوائمه حتى يؤخر بالحمل
وإذ بلغ الضحضاح فحج بائلاً ... صبوراً على ضرب الهراوة والركل
وآخر:
أيا منزلي مالي عليك كرامة ... إذا أنت لم تكرم علي جوادي
أبو المهوض الأسدي:
نجى إياداً ولخماً كل سلهبة ... واستلحم الموت أصحاب البراذين
عداوة الحمار للغراب مثل، قال:
عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب
يزيد بن مسلمة بن عبد الملك:
عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر
فإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
شاعر:
جرى والجياد فلما جرى ... حثا في وجوه الجياد الثرى
روث الحمار إذا عصر وهو حار وشرب ماؤه نفع من الحصاة، وهو دواء للضرس المأكول.
وقيل لميسرة الفراس وهو أحد الأكلة: كيف تصنع إذا جهدتك الكظة والعرب تقول: إذا كنت بطنا فعدك زمنا؟ قال: آخذ روثاً حاراً واعصره واشرب ماؤه، فاختلف عليه مراراً، فلا ألبث أن يلصق بطني بصلبي، واشتهي الطعام.
زياد بن وهب في صفة الفرس:
شديد الفقار طويل العذار ... أمين الشظا لا يخاف العثارا
بعيد مداه كما أمرت قواه ... إذا السوط أفزعه قلت طارا
مبين له السبق عند الرهان ... في الحرب ترزق منه الوقارا
كان لغني فرس مشهور يعرف بالضاري. قال أبو عبيدة: هو الضاري بن الأوج بن الدينار بن هجنس بن زاد الراكب. فلما نفقنعته عجوز من بني عامر إلى نسائهم، وقالت: أربعن يا نساء بني عامرفقد رزئتن غرة من غرر المجد، ألا إن الضاري قد نفق. فما بقيت امرأة من نساء بني عامر إلا كسرت رباعتها عليه. وفيه قيل:
غداة صبحنا بطرف أعوجي ... من نسب الضاوي ضاوي غني
كان لعمر بن عبد العزيز برذون يحتطب عليه ويستقي، وكان يركبه.
جاءت فرس لهشام سابقة فسأل الشعراء أن يقولوا فيها فاستمهلوا، فقال أبو النجم: هل لك فيمن ينقذك إذ استنسؤوك، قال: هات، فقال:
أشاع للطراد فيه ذكرها ... قوائم عوج أطعن أمرها
مليونة شد المليك أسرها ... أسفلها وبطنها وظهرها
يكاد هاديها يكون شطرها
فأمر له بجائزة سنية.