وإن شئت قلت في عيسى بن مريم، فلقد كان يتوسد الحجر، ويلبس الخشن، وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم. ولم تكن له زوج تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله، دابته رجلاه، وخادمه يداه.
فتأس بنبيك، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله أبغض شيئاً فأبغضه، وصغر شيئاً فصغره. ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله، وتعظيمنا ما صغر الله لكفى به شقاقاً لله ومحادة عن أمره.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العري، ويردف خلفه. ويكون الستر على باب بيته فيه التصاوير، فيقول: يا فلانة غيبيه عني، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها. فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحب أن يغيب زينتها عن عينه. ولقد كان لك في رسول الله ما يدلك على مساوئها وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزويت عنه مع عظيم زلفته، فلينظر ناظر بعقله أ أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه؟ فإن قال أهانه، فقد كذب والعظيم، وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزوايا عن أقرب الناس إليه. خرج من الدنيا خميصاً، وورد الآخرة سليماً. ثم يضع حجراً على حجر، فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم به علينا سلفاً نتبعه، وقائداً نطأ عقبه! والله لقد وقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها؟ فقلت: أغرب عني، فعند الصباح يحمد القوم السري.
جاء فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة فلم يجد عندهم شيئاً للعشاء وهم بغير سراج، فجلس ليله يبكي من الفرح، يقول: بأي يد كانت مني؟ بأي شيء يترك مثلي على هذه الحال؟ لما لقي هرم أويسا قال: السلام عليك يا أويس بن عامر، قال: وعليك السلام يا هرم بن حيان. قال هرم: أما أني عرفتك بالصفة، فكيف عرفتني؟ قال: أرواح المؤمنين تشام كما تشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. قال: أوصني، قال: عليك بالأسياف، يعني السواحل، قال: فمن أين المعاش؟ قال: أف، خالط الشك الموعظة، أتفر إلى الله بدينك وتتهمه في رزقك؟ اليأس واقع والرجاء بلاقع.
منصور الفقيه:
الموت أسهل عندي ... بين القنا والأسنه
والخيل تجري سراعاً ... مقطعات الأعنه
من أن يكون لنذل ... علي فضل ومنه
طلبت الرزق في مظانه فأعياني رزقي إلا يوماً بيوم.
عمر بن عبد العزيز في خطبته: أيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل أو بحضيض أرض يأته، فاجملوا في الطلب.
وقع ذو الرياستين: أجمل في الطلب تكفك المقادير، ما هو كائن لك أتاك على ضعفك وما هو عليك لم تدفعه بقوتك.
أنشد ابن الأعرابي:
أبا مالك لا تسأل الناس والتمس ... بكفيك رزق الله فالله أوسع
فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
أعرابي:
أ تيأس أن يقارنك النجاح ... فأين الله والقدر المتاح
قال رجل لرسول الله صلوات الله عليه وسلامه: أوصني، فقال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر.
إذا وجدت الشيء في السوق فلا تطلبه من صديق.
عبد الأعلى القاص: المؤمن ثوبه علقه، ومرقته سلقة، وسمكته شلقة، وخبزته فلقة.
قيل لأعرابية: من أين معاشكم؟ فقالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش.
أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك، ولا يحقرك بها من فوقك.
المعري:
إذا كنت تبغي العيش فابغ توسطاً ... فعند التناهي يقصر المتطاول
توفى البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل
أعرابي: استظهر على الدهر بخفة الظهر.
أصيب أعرابي ببعير لم يكن له غيره، فقال: يا رب اصنع ما شئت فإن رزقك عليك.
قيل لرابعة: ألا نكلم السلطان يصلح منزلك؟ فقالت: والله إني لأستحي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ حجت أعرابية على ناقة لها، فقيل لها: أين زادك؟ فقالت: ما معي إلا ما في ضرعها.
قال رجل لابن سيرين: ما فعلت بغلتك؟ قال: بعتها، قال: ولم؟ قال: لمؤونتها، قال: أفتراها خلقت ورزقها عندك؟