صلى معروف خلف إمام، فلما انفتل قال له: من أين تأكل؟ قال: أصبر حتى أعيد ما صليت خلفك، قال: ولم؟ قال: لأن من شك في رزقه شك في خالقه.
أبو حازم: ما لم يكتب لي لو ركبت ذنب الريح ما أدركته.
التقى عبد الرحمن بن عوف وأبو ذر الغفاري، فقبل عبد الرحمن ما بين عيني أبي ذر لكثرة سجوده، وقبل أبو ذر يمين عبد الرحمن لكثرة صدقته. فلما افترقا بعث عبد الرحمن إليه ببدرة، وقال لغلامه: إن قبلها منك فأنت حر. فأبى أن يقبلها، فقال الغلام: اقبل رحمك الله فإن في قبولها عتقي، فقال أبو ذر: إن كان عتقك فيه ففيه رقي، ورده.
وجد مكتوباً على حائط مدني:
نعم الصديق صديق لا يكلفنا ... ذبح الفراخ ولا شي الفراريج
يرضى بلونين من كشك ومن عدس ... فإن تشهى فزيتون بطسوج
قال علي لعمر رضي الله عنهما: إن سرك أن تلحق بصاحبك فأقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزرار، وارفع القميص، واخصف النعل، تلحق بهما.
أبو صالح: حدثت أبا زيد النحوي بقول ابن عباس: ما رضي الله الناس بشيء من أقسامهم كما رضاهم بأوطانهم. فقال: بلى والله، وبأحسابهم، قلت: كيف؟ قال: تراه من عكل أو سلول أو محارب وهو يفاخر، وهو قوله تعالى: كل حزب بما لديهم فرحون. وقد افتخر الحائك بحياكته فقال:
وما أنا خياط أخرق اصبعي ... ويشغلني التغضين عبد الطبائب
ولكنني ضراب حقة حائك ... ورام لسهم أسود الرأس صائب
وقال الأول:
كل امرئ في نفسه ... أعلى وأشرف من قرينه
وقال الجاحظ: إن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة أو التجارة والفلاحة، وفي ذلك ذهاب المعاش وبطلان المصلحة. فكل صنف من الناس مزين لهم ماهم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيراً أو خرقاً قال: يا حجام، والحجام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: يا حائك. فأراد الله تعالى أن يجعل الاختلاف سبباً للائتلاف، فسبحانه من مدبر.
وترى البدوي في بيت من قطعة كساء معمد بعظام الجيف مع كلبه، لباسه شعلة من وبر أو شعر، ودواؤه بول الإبل، وطيبه القطران وبعر الظبي، وحلي امرأته الودع، وثماره المقل، وصيده اليربوع، في مفازة لا يسمع فيها إلا تنئيم بومة وزقاء هامة وعواء ذئب، وهو راض بذلك مفتخر به.
عمر بن أبي عمر النوفاني:
غلا السعر في بغداد من بعد رخصه ... وإني في الحالين بالله واثق
فلست أخاف الضيق والله واسع ... غناه ولا الحرمان والله رازق
التهستاني:
غني بلا دنيا عن الناس كلهم ... وإن الغنى إلا عن الشيء لا به
العمركي:
نظرت فلما لم أر الناس كالناس ... أمت رجائي واسترحت إلى اليأس
الحارث النجراني:
صبرت النفس لا أهل ... لع من حادثة الدهر
رأيت الرزق لا يك ... سب بالعرف ولا النكر
ولا بالعقل والدين ... ولا بالجاه والقدر
ولا بالسلف الأم ... ثل أهل الفضل والذكر
ولا بالسمر اللو ... ن ولا بالقضب البشر
ولا يدرك بالطيش ... ولا الجهل ولا الهذر
ولكن قسم تجري ... بما ندري ولا ندري
قيل لعلي عليه السلام: لو سدت على رجل باب بيت وترك فيه من أين يأتيه رزقه؟ قال: من حيث يأتيه أجله.
وعنه عليه السلام: ولقد كان في رسول الله كاف لك في الأسوة، ودليل على ذم الدنيا وكثرة مساوئها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها.
وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله إذ يقول: إني لما أنزلت إلي من خير فقير. والله ما سأله إلا خبزاً يكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه.
وإن شئت ثلثت بداود صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة، فقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه: أيكم يكفيني بيعها؟ ويأكل قرص الشعير من ثمنها.