كان قيس بن الرقيات مع مصعب، فلما قتل تردد هارباً في البلاد، حتى عاذ بعبد الله بن جعفر ليستشفعه إلى عبد الملك. فقام ابن جعفر بين يديه وقال: حاجة، قال: حاجاتك كلها مقضية إلا دم ابن قيس. قال: فهذه حاجتي، فأطرق هنيهة ثم قال: على أن تضع يده في يدي. فلما دخل عليه - وقد أمر قبل بعساس خلنج، فملئت ألبان البخت يحمل العس جماعة، ثم صفت بين يديه - قال له: أين هذه العساس من عساس مصعب حين تقول:
جلب الخيل من تهامة حتى ... وردت خيله جبال زرنج
يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في قصاع الخلنج
قال: لا أين أمير المؤمنين لو طرحت كلها في أصغر عس من أعساس مصعب لتقلقلت داخله. قال: قاتلك الله! أبيت إلا كرماً. وعفا عنه ووصله.
كان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنته زينب، تاجراً تضاربه قريش بأموالها فخرج إلى الشام سنة الهجرة فلما قدم عرض له المسلمون فأسروه، وقدموا به المدينة ليلاً. فلما صلوا الفجر قامت زينب على باب المسجد فقالت: يا رسول الله، قد أجرت أبا العاص وما معه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أجرنا من أجرت. ودفع إليه جميع ما أخذ منه، وعرض عليه الإسلام، فأبى وخرج إلى مكة. فدعا قريشاً وأطعمهم ثم دفع إليهم أموالهم. وقال: هل وفيت؟ قالوا: نعم قد أديت الأمانة ووفيت. قال: اشهدوا جميعاً أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وما منعني أن أسلم إلا أن تقولوا أخذ أموالنا. ثم هاجر فأقره رسول الله على النكاح الأول. وتوفي سنة ثنتي عشرة.
قال رجل لراهب: قتلت تسعة وتسعين، فهل لي من توبة؟ قال: لا . قال: لأكملن بك مائة، فقتله. ثم ذهب إلى راهب آخر فقال له: قتلت مائة، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، على أن تطيعني ولا تعصيني، فقال له: قاسمني العمل. قال أنا بين يديك. فأراد أن يخبز فقال: علي العجين والإلزاق وعليك السجر. فاستجر التنور يوماً وقال للراهب: قم فالزق، فقال: اذهب واجلس في التنور، فذهب فجلس فيه، فجاء الراهب ينظر، فإذا الرجل قاعد في التنور، ما به إلا أنه يرشح عرقاً. فقال له: قم فاخرج فأنت خير مني. فجوزي بوفائه.
الوقاحة، والسفاهة، والجسارة
وقلة المبالاة، وذكر الغوغاء والحشوة، ونحو ذلك النبي صلى الله عليه وسلم : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.
حكيم: الخرس خير من الكذب، والخصاء خير من الزنا. والمعيشة بالجهد والفاقة خير من المعيشة بالبذاء وقلة الحياء.
ذكر رجلاً وقحاً: لو دق بوجهه الحجارة لرضها، ولو خلا بأستار الكعبة لسرقها.
ابن سلام: العاقل شجاع القلب، والأحمق شجاع الوجه.
هو صفيق الدرقة، صليب الحدقة.
الفاقة خير من الصفاقة.
الصخر هش عند وجهك في الوقاحة.
يقال: وجوههم وأيديهم حديد. أي وقاح بخلاء.
لما حضرت أد بن مر الوفاة عدل بإرثه عن تميم إلى سائر ولده، فعاتبه تميم، فقال: يا بني، إني لم أفعل بك ذلك لذنب استحقيته. ولكن للثقة بما في يدك من عوض يغنيك عن إخوتك، ويفقرهم إليك، ويكسبك السؤدد. قال: وما هو يا أبه؟ قال: صفاقة وجهك.
أنوشروان: أربع قبائح، وهي في أربعة أقبح: البخل في الملوك، والكذب في القضاة، والحدة في العلماء، والوقاحة في النساء.
أبو عثمان الناجم:
لك عرض مثلم من قوا ... رير ووجه ململم من حديد
صفاقة العينين خير من غلة دارين.
في النصائح الصغار: الوجه ذو الوقاحة من وجوه الرقاحة، يفيء على صاحبه الأنفال، ويفتح الأقفال، ويلقطه الأرطاب، ويلقمه ما استطاب، ويجسره على قول المنطيق، وييسر له فعل ما لا يطيق.
وكل ذي وجه حيي ذو لسان عيي، معتقل لا ينشط لمقال، ولا ينشط من عقال. لا يزال ضيق الذرع، بكي الضرع، يشبع غيره وهو طيان، ويعطش وصاحبه ريان.
ولكن لا كل من يتوقح، ولا ما يتربح ويتوقح. فلعمري ما النائل الوقح إلا ما ناله الوقح. وأيم الله إن الرشحة في الجبين أحسن من الشمم في العرنين، ولئن تغر عرضك وما في سقائك جرعة خير أن تملك البحر وما في وجهك مزعة.