أتى حاجب بن زرارة التميمي في جدب أصاب قومه بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرى، فسأله أن يأذن لهم في دخول بلاده حتى يمتاروا. فقال: إنكم معشر العرب قوم غدر. فقال: إني ضامن للملك ألا يفعلوا، قال: فمن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي. فضحك من حوله، فقال كسرى: ما كان ليخالف، فقبلها منه وقال: يا حاجب، إن قوسك لقصيرة معوجة، قال: أيها الملك، إن وفائي طويل مستقيم. فمات حاجب، فطلبها ابنه عطارد فردت عليه، وكساه كسرى حلة. فلما أسلم عطارد أهداها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، فباعها بأربعة آلاف درهم.
وبقيت قوس حاجب فخراً لبني تميم، قال أبو تمام:
إذا افتخرت يوماً تميم بقوسها ... فخاراً على ما وطدت من مناقب
فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
وقد ملح المطراني في قوله:
تزهى علينا بقوس حاجبها ... زهو تميم بقوس حاجبها
وللمصنف في صباه:
أكل وفاء كان في قوس حاجب ... وأنت جمعت الغدر في قوس حاجب
أتى عمر رضي الله عنه بتاج كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه، فرأى من الدر والياقوت شيئاً لم ير مثله، فكره أن يمسه بيده، فأخذ عوداً فجعل يقلب ذلك وينظر إليه. فلما أطال النظر قال: إن الذي أدى هذا لأمين. فقال له علي: يا أمير المؤمنين، إنك أديت الأمانة إلى الله، فلما أديتها إلى الله أديت إليك.
قال لقمان لابنه: إذا كان خازنك حفيظاً وخزانتك أمينة سدت في دنياك وآخرتك.
عروة بن محمد عن أبيه رفعه: ثلاث إذا رأيتهن فعندك عندك: خراب العامر وعمارة الخراب، وأن يكون الغزو رفداً، وأن يتمرس البعير بالشجرة.
ابن عباس: أتى رسول الله التجار فقال: يا معشر التجار، إن الله باعثكم يوم القيامة فجاراً إلا من صدق ووصل وأدى الأمانة.
ابن عمر رفعه: خلق الله تعالى من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة استودعتكها. الفرج أمانة، والسمع أمانة، والبصر أمانة، واللسان أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.
أخذ لبنت أبي قحافة طوق يوم الفتح، فقال أبو بكر فأخذ بيد أخته وقال: أنشدكم الله والإسلام طوق أختي. قالها ثلاثاً، فلم يجبه أحد، فقال: يا أخية احتسبي طوقك فإن الأمانة في الناس قليل.
مكتوب في التوراة: الأمين من أهل الأديان كلها عائش بخير.
لقمان: يا بني كن أميناً تعش غنياً.
النبي صلى الله عليه وسلم : الأمانة غنى.
اتقوا النعمة أن تقول كفرت، والأمانة أن تقول أخفرت.
شاعر:
سقى الله أطلال الوفاء بكفه ... فقد درست أحلامه ومنازله
قال رجل لسليمان رضي الله عنه: يا أبا عبد الله، فلان يقرئك السلام. فقال: أما أنك لو لم تفعل لكانت أمانة في عنقك.
قال حارث بن عوف بن أبي حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم : أجرني من لسان حسان فلو مزج به البحر لامتزج. فحدث بذلك ابن عائشة فقال: أوجعه قوله:
وأمانة المري حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
قدم مكة كهمس بن سعد البارقي ورجل من بني زبيد، فظلم البارقي أبي بن خلف، فقال:
أتظلمني ما لي بمكة ظالماً ... أبي ولا قومي لدي ولا صحبي
وناديت قومي بارقاً لتجيني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب
سيأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني خلف والحق يؤخذ بالغصب
وظلم الزبيدي العاص بن وائل السهمي، فصعد الجبل رافعاً عقيرته:
يا للرجال لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدر والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر
هل مخفر من أخي سهم بقدرته ... فعادل أم ضلال نال معتمر
إن الحرام لمن تمت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فتحالف ثلاث نفر الزبير عم النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل العباس أولهم، والمتحالفون بنو هاشم، وقيل بنو عبد مناف، وزهرة، وتيم بن مرة، وأسد بن عبد العزى. وزاد بعضهم الحارث بن فهر رهط أبي عبيدة. فقال من عداهم من قريش: لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر فسمي حلف الفضول.