رأى نوف البكالي صاحب علي عليه السلام كأنه يسوق جيشاً، ومعه رمح طويل في رأسه شمعة تضيء للناس. فتأولها بالشهادة، فخرج إلى الغزو، فلما وضع رجله في الركاب قال: اللهم أرمل المرأة رأيتم الولد وأكرم نوفاً بالشهادة. فوجدوه وفرسه مقتولين مختلطاً دمه بدم فرسه وقد قتل رجلين.
أبو سليمان الداراني: إنما يرى العبد الرؤيا ليثبت فإذا أخلص انقطع عنه كثرة الرؤيا.
كان أبو سالم يقول: الرؤيا كلام يكلم الله به عبده.
رأى عبد الملك في منامه أن أم هشام شقت رأسه فلطمت من دماغه عشرين لطمة، فطلقها. ثم بعث إلى سعيد بن المسيب فسأله، فقال: تلد غلاماً يملك عشرين سنة. فندم.
رأى شرحبيل بن حسنة رؤيا فقصها على أبي بكر رضي الله عنه، فقال: نامت عينك ورأيت خيراً.
جابر بن عبد الله: كنا ننام في المسجد ومعنا علي بن أبي طالب، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قوموا لا تناموا في المسجد، فقمنا لنخرج، فقال: أما أنت يا علي فنم، فإنه قد أذن لك.
ابن عمر: تضرعت إلى ربي سنة أن يريني أبي في النوم، حتى رأيته وهو يمسح العرق عن جبينه، فسألته فقال: لولا رحمة الله لهلك أبوك. إنه سألني عن عقال بعير الصدقة، وعن حياض الإبل، فكيف عن الناس؟ فسمع بذلك عمر بن عبد العزيز، فصاح وضرب بيد على يد وقال: فعل هذا بالطاهر التقي، فكيف بابن المترف عمر بن عبد العزيز؟ سئل ابن سيرين عن رجل رأى في منامه كأنه يمضغ شدقة، فقال: هذا رجل يغتاب أقرباءه.
الوفاء، وحسن العهد، ورعاية الذمم
والأمانة والثقة، وكتمان الأسرار، وما أشبه ذلك أبو بكر رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر، عليك بصدق الحديث، ووفاء بالعهد، وحفظ الأمانة، فإنها وصية الأنبياء.
نزل ناس من محارب إلى جنب المدينة، فاشترى منهم رسول الله جزوراً بوسق من تمر. فلما ذهب بها وتوارى في بيوت المدينة، قالوا: أعطينا رجلاً لا نعرفه. فقالت عجوز منهم: لقد رأيت وجه رجل ما كان ليلبسه غدراً. فما كان إلا أن أرسل إليهم فدعاهم، ثم أمر بالتمر فنشر على نطع، ثم قال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم وفاهم ثمنهم. فقالوا: ما رأينا كاليوم في الوفاء.
أوصت أعرابية أبناً لها فقالت: يا بني، اعلم أنه من اعتقد الوفاء والسخاء فقد استجاد الحلة بربطتها وسربالها، وإياك والنمائم فإنها تنبت السخائم، وتفرق بين المحبين، وتحسي أهلها الأمرين.
ليس شيء أوفى من قمرية، فإنها إذا مات ذكرها لم تقرب آخر بعده، ولا تزال تنوح عليه إلى أن تموت.
شاعر:
أشدد يديك بمن بلف وفاءه ... إن الوفاء من الرجال عزيز
علي عليه السلام: الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله ؟ قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها. وينتهز فرصتها من لا خريجة له في الدين.
وقد عدي بن حاتم على عمر رضي الله عنه، وكان قد ثبت إسلامه في الردة، فقال: أ تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، أنت الذي آمن إذ كفروا، ووفى إذ غدروا.
وكان مع علي عليه السلام في حروبه، وفقئت عينه يوم الجمل، وهو القائل لمعاوية:
يجادلني معاوية بن حرب ... وليس إلى الذي يبغي سبيل
يذكرني أبا حسن علياً ... وحظي في أبي حسن جليل
قال المنصور لاسحاق بن موسى العقيلي، وكان قبله خصيصاً عند مروان بن محمد، وقد ضمن غلاماً من بني أمية: ما ضمانك له إلا حباً لبني أمية؟ فقال: هذا وفائي لمن له عندي يد وقد زالت عنه الدولة، فكيف وفائي لمن له عندي يد والدولة عليه باقية؟ فاستحسن قوله وأطلق له الغلام من غير ضمان.
الوفاء وفاء لمن لا ترجوه ولا تخافه.
إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وإلى بكائه على ما مضى من زمانه.