آخر من الكتبة: طال إحسانه قمم الأقوال، ونظر إلى الشكر من مكان عال.
عيسى عليه السلام: لو لم يعذب الله أحداً على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى شكراً لنعمه.
جعفر بن محمد: إني رأيت المعروف لا يتم إلا بثلاث: تعجيله، وستره، وتصغيره. فإنك إذا عجلته هنأته، وإذا سترته أتممته، وإذا صغرته عظمته.
خرج قوم إلى الصيد فطردوا ضبعاً حتى ألجأوها إلى خباء أعرابي، فأجارها وجعل يطعمها، فبينا هو نائم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه ومرت، وجاء ابن عم له يطلبه فإذا هو بقير، فتبعها حتى قتلها، وقال:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أم عامر
أعد لها لما استجارت بيته ... أحاليب ألبان اللقاح الدوائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر
اشكر لمن أنعم عليك، وانعم على من شكرك.
الصاحب: وللنعم من الشكر تمائم، تحرسها من عين النمائم.
أعرابي: من خاف أن يسأل عن الشكر طاب نفساً عن النعم.
محمد بن حبيب الراوية: إذا قل الشكر حسن المن. ويروى إذا جحدت الصنيعة حسن الامتنان.
سابور: من لم ترب معروفه فكأنه لم يصنعه.
أنوشروان: الإنعام لقاح، والشكر نتاج.
قال الحجاج لابن القرية: ما أضيع الأشياء؟ قال: مطر جود في أرض سبخة لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها، وسراج يوقد في الشمس وجارية حسناء تزف إلى عنين أعمى وصنيعة تسدى إلى من لا يشكر.
كان يقال: من عجزت مقدرته على المكافأة، ولسانه عن الشكر، فلا يعجز عن معرفة النعمة، ومودة المنعم.
مر أبو الديك المعتوه بمن ينشد:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها طريق المصنع
فقال: كذب شاعركم، بل يصرف المعروف إلى أهله وغير أهله، وإلا كيف ينالني وكنيتي أبو الديك وأنا معتوه؟ والبيت لقيس بن يزيد بن هلال النخعي، وبعده:
فإذا صنعت صنيعة فاقصد بها ... وجه الإله وما يثيبك أودع
وسمعها جعفر بن محمد عليهما السلام فقال: قاتل الله قائل هذا الشعر يأمر الناس بالبخل، لكني أقول:
يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها كفور أو شكور
فعند الشاكرين لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور
وقيل إن قائلهما عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو الملقببقطب السخاء.
جاء رجل إلى أحمد بن داؤد، فقال: أيها القاضي، ما لي إليك حاجة سوى عموم معرفتك. ثم أنشأ يقول:
ما لي إلى ابن دؤاد حاجة ... تدني إليه ولا له عندي يد
إل يد عمت فكنت كواحد ... ممن يعين على الثناء ويحمد
نال الأباعد نفعه فشكرته ... والحر يشكر أن ينال الأبعد
أبو عصمة: شهدت سفيان وفضيلاً فما كانا يتذاكران إلى أن يتفرقا إلا النعم، يقولان: أنعم علينا بكذا، وفعل بنا كذا.
الحسن: إذا استوى يوماك فأنت ناقص. قيل: كيف ذاك؟ قال: إن الله زادك في يومك هذا نعماً فعليك أن تزداد له فيه شكراً.
عبد الأعلى بن حماد النرسي: دخلت على الموكل فقال: يا أبا يحيى، هممنا أن نصلك بهير فتدافعت الأيام. فقلت: يا أمير المؤمنين، بلغني عن جعفر بن محمد الصادق: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة، وأنشد:
لأشكرن لك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
قال رجل لسعيد بن العاص وهو أمير الكوفة: يدي عندك بيضاء. قال: وما هي؟ قال: كبت بك فرسك، فتقدمت إليك غلمانك فرفعت بضبعك، وهززتك مراراً، ثم سقيتك ماء، ثم أخذت بركابك حتى ركبت. قال: فأين كنت؟ قال: حجبت عنك، قال: فقد أمرنا لك بمائتي ألف درخم، وبما يملكه الحاجب تأديباً له أن يحجب مثلك وهذه وسيلتك.
أعرابي: اللهم إن شكره عظم في نفسي فأعظم في نفسه ثوابك.
أبو فراس الحمداني:
وما نعمة مكفورة إن صنعتها ... إلى غير ذي شكر بمانعتي أخرى
سآتي جميلاً ما حييت فإنني ... إذا لم أفد شكراً أفدت به أجراً