سمع خالد بن صفوان مكثاراً يتكلم، فقال: يا هذا، ليست البلاغة بخفة اللسان، وكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقصد إلى الحجة.
ابن المعتز
ليس له ناقد فيعرفه ... وآفة التبر ضعف منقده
عبيد بن سفيان العكلي:
فتى كان يعلو مفرق الحق قوله ... إذا الخطباء الصيد عضل قيلها
علي عليه السلام: اللسان سبع إن خلا عقر.
سمع الرشيد أولاده يتعاطون الغريب في محاورتهم، فقال: لا تحملوا ألسنكم على الوحشي من الكلام، ولا تعودوها الغريب المستشنع، ولا السفساف المتصنع، واعتمدوا سهولة الكلام ما ارتفع عن طبقات العامة، وانخفض عن درجة المتشدقين، وتمثل ببيت الخطفي جد جرير:
إذا نلت إنسي المقالة فليكن ... به ظهر وحشي الكلام محرما
عرضت على المتوكل جارية شاعرة، فسأل أبا العيناء أن يستجيزها، قال: أحمد الله كبيراً. فقالت: حين أنشاك ضريرا، فقال: يا أمير المؤمنين قد أحسنت في إساءتها. فاشتراها.
قيل للفرزدق: ما صيرك إلى القصار بعد الطول؟ فقال: إني رأيتها في الصدور أولج، وفي المحافل أجول.
قال بعض الشعراء:
أ زبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب
فبادر العبيد ليقعوا به، فقالت زبيدة: كفوا عنه فإنه لم يرد إلا خيراً، ومن أراد خيراً فأخطأ خير ممن أراد شراً فأصاب، سمع الناس يقولون: قفاك أحسن وجه غيرك، وشمالك أندى من يمين سواك. فقدر أن هذا مثل ذاك. أعطوه ما أمل وعرفوه ما جهل.
قال أبو سفيان لابن الزبعري: لو أسهبت، فقال: حسبك من الشعر غرة واضحة، أو سمة فاضحة.
فيلسوف: كما أن الآنية تمتحن بأطنابها، فيعرف صحيحها من منكسرها، فكذلك الإنسان يتعرف حاله بمنطقه.
قال عبد الملك لرجل: حدثني، قال: يا أمير المؤمنين افتتح، فإن الحديث يفتح بعضه بعضاً.
خالد بن صفوان: لا تكون بليغاً حتى تكلم أمتك السوداء، في الليلة الظلماء، في الحاجة المهمة، بما تتكلم به في نادي قومك. وإنما اللسان عضو إذا مرنته مرن وإذا أهملته حار.
حكيم: إن اللسان إذا كثرت حركته رقت عذبته.
دعبل:
يسل من فكيه كالحسام ... صفيحة تلعب بالكلام
قيل لسهل بن هارون: ما البلاغة؟ فقال: الكلام المنحدر على الغريزة على رسل تحدر الدر من عقد أسلمته كف جارية إلى حجرها، لا يحمل فيه اللسان على غير مذهب السجية فيظهر فيه فج التكلف.
أعرابي: أخذ بزمام الكلام فقاده أسهل مقاد، وساقه أحسن مساق، حتى استرجع به القلوب النافرة، واستصرف به الأبصار الطامحة.
وقع جعفر البرمكي على ظهر رقعة قصيرة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عياً.
أعرابي: كان والله مطلول المحادثة، ينبذ إليك الكلام على أدراجه، كأن في كل ركن من أركانه قلباً يعقل.
قيل لأعرابي: ما بال مراثيكم أجود؟ فقال: لأنا نقولها وأكبادنا تحترق.
سئل بعض العلماء عن بلاغة الأمين فقال: والله لقد اتته الخلافة يوم الجمعة، فما كان إلا ساعة حتى نودي الصلاة قائمة، فخرج ورقى المندر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، وخصوصاً يا بني العباس، إن المنون مراصد ذوي الأنفاس، حتم من الله لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله، فارتجعوا قلوبكم من الحزن على الماضي إلى السرور بالباقي تجروا أثواب الصابرين، وتعطوا أجور الشاكرين. فتعجبوا من بلة ريقه وجودة عارضته.
ذكر الحسن بني الأمية وخطبهم فقال: أخصب ألسنة وأجدب قلوب.
قال المبرد: قلت لمجنون أجز لي هذا البيت:
أرى اليوم يوماً قد تكاثف يومه ... وإبراقه فاليوم لا شك ماطر
فقال:
وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المعاجر
أعرابي: قد رعى الشيح، واستروح تلك الريح.
رؤبة: ما رأيت أروى لأشعارنا من أبي مسلم من رجل يرتضح لكنة أعجمية.
قال أبو زيد: وإذا قال رؤبة لرجل يرتضح لكنة فهو من أفصح الناس.
فيلسوف: من كانت له حكمة أو أدب فلينطق به، فإن السكوت أولى بالجاهل من الأديب.
أعرابي: كان لسانه أرق من ورقة، وألين من سرقة.