علي عليه السلام: حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله لكل على كل، فجعلها نظاماً لا لفتهم، وعزاً لدينهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى إليها حقها عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء.
وإذا غلبت الرعية وإليها وأجحف الوالي برعيته اختلفت هناك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت محاج السنن، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار، وتعز الأشرار.
أسر مروان بن الحكم يوم الجمل، فكلم فيه الحسن والحسين فخلاه علي، فقالا له: يبايعك يا أمير المؤمنين، فقال: ألم يبايعني بعد قتل عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته، أنها كف يهودية، ولو بايعني بيده لغدر بسيفه، أما أن له أمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الأمة منه ومن لده يوماً أحمر.
نوف البكلي: خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة، وهو قائم على حجارة نصبت له، وعليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه ليف، وفي رجليه نعلان من ليف، وكان جبينه ثفنة بعير، ثم قال: أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأبرد برؤوسهم إلى الجنة؟ ثم ضرب يده إلى لحيته فأطال البكاء، ثم قال: أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه، وتدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة، وأماتوا البدعة.
ثم نادى بأعلى صوته الجهاد عباد الله، ألا وأني معسكر في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج. فعقد للحسين في عشرة آلاف ولقيس بن سعد في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين.
فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم، فتراجعت العساكر فكنا كالأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان.
أتى جرير بن عبد الله البجلي معاوية لأخذ البيعة لعلي رضي الله عنه، فدافعه فقال له: إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بداً، ولا أحسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بداً. فقال معاوية: أنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن، إنه أمر له ما بعده بأبلعني ريقي، فلما كان من الغد رفع عقيرته بسمع من جرير:
تطال ليلي واعترتني وساوس ... لآت أتى بالترهات البسابس
أتاني جرير والحوادث جمة ... بتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكايده والسيف بيني وبينه ... ولست لأثواب الدنيء بلابس
إن الشام أعطت طاعة يمنية ... تواضعها أشياخها في المجالس
فإن يفعلوا اصدم علياً بجبهة ... تغث عليه كل رطب ويابس
وإني لأرجو خير ما نال نائل ... وما أنا عن ملك العراق بيائس
المستعين حين خلع:
كل ملك مصيره للذهاب ... غير ملك المهيمن الوهاب
كل ما قد ترى يزول ويفنى ... وتجازي العباد يوم الحساب
أبو زبيد الطائي:
إذا نلت الإمارة فاسم منها ... إلى العيوق بالسبب الوثيق
ولا تك عندها حلواً فتحس ... ولا مراً فتنشب في الحلوق
وكل إمارة إلا قليلاً ... مغيرة الصديق على الصديق
أبو حفص العدوي:
في صاعد وأخيه وابنه عظة ... لمن تسمى وزيراً بعدهم أبدا
فقل لذي نخوة من بعد نخوتهم ... وظالم ظلمهم لا تأمن القراد