كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء
يباري الريح مكرمة وجوداً ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء
فيوم منك خير من أناس ... تروح عليهم إبل وشاء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
وأرضك أرض مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء
فقضى دينه. وكانت عنده قينتان، فقال: اختر أحديهما. فأخذها، ومر بمجلس قريش فلاموه، وقالوا: أخذتها وهي أنسه، فلو رددتها كان أوفر لحظك عنده. فتذمم وردها. فقال: لعل قريشاً لاموك؟ قال: والله يا أبا زهير ما أخطأت، وأنشده:
عطاؤك زين لامرىء إن حبوته ... ببذل وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
فقال: خذ بأيديهما. فخرج وهو يقول:
ومالي لا أحييه وعندي ... مواهب يطلعن من النجاد
لأبيض من بني تيم بن كعب ... وهم كالمشرفيات الحداد
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق ذروته ينادي
إلى ردح من الشيزي ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد
لكل قبيلة هاد ورأس ... وأنت الرأس يقدم كل هادي
احتضر الحكم بن المطلب، وكان من الأسخياء، فأصابته غشية. فقيل: اللهم هون عليه فإنه كان وكان. فأفاق فقال: إن ملك الموت يقول: إني بكل سخي رفيق.
وفد أبو عطاء السندي على نصر بن سيار بخراسان مع رفيقين له. فأنزله وأحسن إليه، وقال: ما عندك يا أبا عطاء؟ قال: وما عسى أن أقول وأنت أشعر العرب؟ غير أني قلت بيتين، قال: هاتهما فقال:
يا طالب الجود أما كنت تطلبه ... فاطلب على نأيه نصر بن سيار
الواهب الخيل تعدو في أعنتها ... مع القيان وفيها ألف دينار
فأعطاه ألف دينار ووصائف ووصفاء، وحمله وكساه. فقسم ذلك بين رفيقيه لم يأخذ منه شيئاً. فبلغه ما فعل فقال: ماله قاتله الله من سندي!؟ ثم أمر له بمثله.
كان الموكل إذا ركب حملت معه الدراهم والدنانير مخلوطة، فلا يدنو منه أحد إلا قال: يا غلام اضرب يدك أحث له. وكان يسقي بعرفات الأسوقة والجلاب وأنواع الشراب.
كان لعثمان على طلحة رضي الله عنهما خمسون ألفاً. فخرج عثمان إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه. فقال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك.
خرج الحسنان، وعبد الله بن جعفر، وأبو حبة الأنصاري من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء، فلجأوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثاً حتى سكت السماء، وذبح لهم، فلما ارتحلوا قال له عبد الله بن جعفر: إن قدمت المدينة فسل عنا.
فاحتاج الأعربي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد أنسيت أسماءهم، قالت: سل عن ابن الطيار. فأتاه. فقال: الحق سيدنا الحسن، فلقيه فأمر له بمائة ناقة بفحولتها ورعالها، ثم أتى الحسين، فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الإبل. فأمر له بمائة شاة. ثم أتى عبد الله فقال: كفاني أخواي الإبل والشاء فأمر له بمائة ألف درهم. ثم أتى أبا حبة فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن جئني بإبلك، فأوقرها له تمراً. فلم يزل اليسار في أعقاب الأعرابي.
أراد ابن عامر أن يكتب لرجل خمسين ألفاً، فجرىالقلم بخمس مائة ألف. فراجعه الخازن، فقال: أنفذه فوالله لإنفاذه أحسن، وإن جرح المال أحسن من الاعتذار. فاستسرفه، فقال: إذا أراد الله بعبد خيراً حرك القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته، وأنا أردت شيئاً وأراد الجواد الكريم أن يعطي لعبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبة، وأمره النافذ.
وقف أعرابي على ابن عامر فقال: يا قمر البصرة وشمس الحجاز ويا ابن ذروة العرب، وترب بطحاء مكة، نزعت بي الحاجة، وأكدت بي الآمال إلا بفنائك، فامنحني بقدر الطاقة والوسع، لا بقدر المحتد والشرف والهمة. فأمر له بعشرة آلاف. فقال: ماذا؟ تمرة أو رطبة أو بسرة؟ قيل: بل دراهم. فصعق. ثم قال: رب إن ابن عامر يجاودك، فهب له ذنبه في مجاودتك.