ويحكى أن النعمان بن المنذر وفدت عليه الوفود وفيهم أوس، فقال: احضروا غداً، فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم. فتخلف أوس وقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون حاضراً، وإن كنت المراد فسأطلب. فلما ير الملك أوساً قال: قولوا له احضر آمناً ما خفت. فلما لبس الحلة حسد، فقيل للحطيئة: اهجه ولك ثلثمائة ناقة. فقال: أأهجو من لا أرى في بيتي أثاثاً ولا مالاً إلا منه ثم قال:
كيف الهجاء وما تنفك صالحة ... من آل لام بظهر الغيب تأتيني
فقال بشر أنا أهجوه لكم، فأخذ الإبل. فأغار عليها أوس فاكتسحها وطلبه. فجعل لا يستجير بحيي من أحياء العرب إلا قالوا: قد أجرناك من الجن والإنس إلا من أوس. وكان قد ذكر أمة في هجائه، وإني به أسيراً، فاستشارها فقالت: أرى أن ترد عليه ماله وأنا أعطيه مثله، فإنه لا يمحو الهجاء إلا مدحه. ففعل، فقال: لا جرم والله، لا مدحت أحداً غيرك ما عشت. ثم مدحه فقال:
إلى أوس بن حارثة بن لام ... ليقضي حاجتي فيمن قضاها
فما وطأ الحصى مثل ابن سعدي ... ولا لبس النعال ولا احتذاها
وفدت ليلى الأخيلية على الحجاج فقالت فيه:
إذا ورد الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العقام الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
فقال: لا تقولي غلام، قولي همام. يا غلام اعطها خمس مائة. فقالت: أيها الأمير اجعلها أدماً. فقيل: إنما أمر لك بشاء. فقالت: الأمير أكرم من ذلك. فجعلها إبلاً إناثاً.
إذا رغبت في المكارم فاجتنب المحارم.
وسمت امرءً بالعرف ثم اصطنعته ... ومن أكمل المعروف رب الصنائع
أبو الفياض الطبري:
والعز ضيف لا يراه بربعه ... من لا يرى بذل التلاد تلادا
والجود أعلى كعب كعب قبلنا ... فمضي جواداً يوم مات جوادا
آخر:
لا تضع المعروف في ساقط ... فذاك صنع ساقط ضائع
وضعه في حر كريم يكن ... عرفك مسكاً عرفه ضائع
بعضهم: كنا عند سعيد بن أبي عروبة في بيته، وفيه حصير، وقفة فيها خبز، وجرة، إذ دخل رجل فمر إلى القفة فأكل، ثم شرب من الجرة، ثم خرج. فجعلنا نلتفت إليه. فقال سعيد: أي شيء تنظرون؟ فوالله ما أدري من هو، ولكن كذلك أدركنا.
الجود والشجاعة ينبعان من عين واحدة وهي قوة النفس وبعد الهمة. وكانوا يقولون: لا يكون الشجاع إلا جواداً، حتى نقض ذلك عبد الله بن الزبير، فإنه كان شجاعاً وكان يبخل. قال أبو تمام:
أيقنت أن من السماح شجاعة ... وعلمت أن من الشجاعة جودا
علي رضي الله عنه: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم.
أبو الرميح حبيب بن شوذب الأسدي:
فك السري عن الندى أغلاله ... فجرى وكان مكبلاً مغلولا
وتعاقدا العقد الوثيق وأشهدا ... من كل قوم مسلمين عدولا
ووفي الندى لك بالذي عاقدته ... ووفي السري فما يريد بديلا
وله في الحكم بن المطلب المخزومي:
أنت أنف الجود إن فارقته ... عطس الجود بأنف مصطلم
أنت أنف الجود تنمى صاعداً ... للمعالي وابن عرنين الكرم
بكر بن صرذ:
لجواد من بني مطر ... أتلفت كفاه ما صنعا
كلما عدنا لنائله ... افتررنا جوده جذعا
بشر بن مسعود البكري:
بحر إذا حلت الوراد ساحته ... لم تثنهم علل منه عن العلل
وأحسن منه قول أبي تمام في مديح كعب:
هو البحر من أي الواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
كريم إذا ما جئت للعرف سائلاً ... حباك بما تحوى عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
محمد البجلي:
وله مواهب كلما نسبت ... فينا إليه زانها النسب
ومن المواهب ما يكدره ... ويشينه قدر الذي يهب
أبو الخطاب الهذلي:
الجود طبع وما يسطيعه أحد ... إلا امرؤ أبواه الدين والكرم
معن بن زائدة: