يمضي إذا لم تلقه شبهة ... وفي اعتراض الشك وقاف
دعا الحسن بن زيد بن الحسن حين ولاه المنصور المدينة إسحاق بن إبراهيم ابن طلحة، وكان من سروات قريش، إلى القضاء، فأبى فسجنه، فجاء بنو طلحة فاستجنوا معه. فبلغ ذلك الحسن بن زيد فجاء به وقال: إنك تلاججت علي، وقد حلفت أن لا أرسلك حتى تعمل لي فأبرر يميني. فأرسل معه الجند حتى جلس في مجلس القضاء، والجند على رأسه. فقال داود بن مسلم:
طلبوا الفقه والمروءة والفض ... ل وفيك اجتمعن يا إسحاق
فقال: ادفعوه، فدفعوه. وقام من المجلس، وأعفاه الحسن. فلما صار إلى منزله قال لداود: ما حملك على أن مدحتني بما كرهت؟ وأعطاه خمسين ديناراً.
لما وقعت فتنة ابن الزبير اعتزل شريح القضاء، وقال: لا أقضي فبقي لا يقضي تسع سنين. ولما انصرف يوماً من مجلس قضائه، فاعترضه رجل فقال له: أما حان لك أن تخاف الله؟ كبرت سنك، وفسد ذهنك، فصارت الأمور تجوز عليك. فقال: والله، لا يقولها أحد بعدك. فلزم بيته حتى مات.
كان ببغداد رجل اسمه رويم، فولي القضاء، فلقيه جنيد فقال: من أراد أن يستودع سره من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حب الدنيا أربعين سنة حتى قدر عليها.
استقصى ابن هبيرة عتبة بن النهاس على الكوفة، فقال: لا والله الذي لا إله غيره ما أقوى على ذلك، ولا أرضى فقهي ولا علمي له، فلئن كنت فيما قلت صادقاً ما ينبغي لك أن توليني، وإن كنت كاذباً ما يسعك أن تستعين بكاذب. فقال ابن هبيرة: لو تكلم بهذا الكلام أعرابي من البادية لوليناه، فامض إلى عملك.
الأشهب الكوفي:
يا أهل بغداد قد قامت قيامتكم ... مذ قام قاضيكم نوح بن دراج
لو كان حياً له الحجاج ما سلمت ... صحيحة يده من وشم حجاج
وكان الحجاج يشم أيدي النبط بعلامة يعرفون بها.
ابن مسعود: ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم. ثم يرفع رأسه، فإن قال الله: ألقه ألقاه في مهواة أربعين خريفاً.
مسروق: لأن أحكم يوماً بحق أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله.
الحسن: إني لأرجو لقضاة المسلمين خيراً، ما لم يمالئوا، أو يحابوا، أو يرتشوا، إذا أدوا الحق.
ذكر لعباد بن العوام قاض بالعفاف والصلاح، فقال: من ظن أنه يلي لهؤلاء شيئاً فيخلون بينه وبين العدل فبئس ما يظن.
حفص بن غياث: مررت بعليان فسمعته يقول: من أراد سرور الدنيا وخزي الآخرة فليتمن ما هذا فيه. فوالله لتمنيت أني مت قبل أن ألي القضاء.
القضاة المضروب بهم المثل في الجهل وتحريف الأحكام منهم: قاضي منى، وقاضي جبل، هي مدينة من طسوج كسكر، كان أيام المأمون. وقاضي ايذج.
قال فيه أبو إسحاق الصابي:
يا رب علج أعلج ... مثل البعير الأهوج
رأيته مطلعاً ... من خلف باب مرتج
وخلفه دنية ... تذهب طوراً وتجى
فقلت قاضي ايذج ... فقال قاضي ايذج
وقاضي شلبة، قال فيه أبو الحسن الجوهري:
رأيت رأساً كدبة ... ولحية كالمذبة
فقلت من أنت قل لي ... فقال قاضي شلبة
محمد بن أبي الشوارب قاضي الكوفة: ما رأيت أحسن وجهاً من المعتز، ولا أبلغ خطاباً، قال لي لما قضاني: يا محمد، قد وليتك القضاء، وإنما هي الدماء والفروج والأموال ينفذ فيها أمرك، ولا يرد حكمك، فاتق الله وانظر ما أنت صانع. فما قرع قلبي كلام مثله.
كان سبب خروج أبي قلابة من البصرة إلى الشام أنه طلب للقضاء، فقال له أيوب: لو أنك وليت القضاء وعدلت فيه رجوت لك أجراً. فقال: يا أيوب، إذا وقع السابح في البحر كم عسى أن يسبح؟ وعن أبي حنيفة رحمه الله: القاضي كالغريق في البحر الأخضر، إلى متى يسبح وإن كان سابحاً؟ أراد عمر بن هبيرة أبا حنيفة على القضاء فأبى، فحلف ليضربنه بالسياط على رأسه وليسجننه، ففعل حتى انتفج وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب. فقال: الضرب في الدنيا بالسياط أهون علي من مقامع الحديد في الآخرة.
وعن ابن عون: ضرب أبو حنيفة مرتين على القضاء، ضربه ابن هبيرة، وضربه أبو جعفر، وأحضر بين يديه فدعا له بسويق وأكرهه على شربه، ثم قام، فقال: إلى أين؟ قال: إلى حيث بعثتني، فمضي به إلى السجن، فمات فيه.